تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منطق فهم القرآن (الأسس المنهجية للتفسير والتأويل في ضوء آية الكرسي) — صفحة 334

مساهمون:

ص٣٣٤
وأما ثانياً : فإنَّ التشكّلات الباطنية للظلمة والنور قابلة للتداخل والتغيير معاً ، كما هو المحكي القرآني : وَآخَرُونَ اعْتَرَفُواْ بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُواْ عَمَلًا صَالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً . . . ( التوبة : 102 ) ، وهذا ما حدا بالأولياء الصالحين إلى عدم الركون إلى صلاحهم ، وإن كان واقعياً وكانوا من المُخلَصين ، كما هو المحكي في قصّة يُوسف الصدّيق عليه السلام في قوله تعالى : رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ المُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَنتَ وَلِيِّي فِي الدُّنُيَا وَالآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ ( يوسف : 101 ) ، فلم يتشبَّث بمقاماته وصورها المُشرقة ، وإنما عاد إلى أوّليات كلّ إنسان ، بأن يتوفّاه الله تعالى مُسلماً ويُلحقه بالصالحين ، ودعوى أن يكون ذلك منه تواضعاً مردودة ؛ لعدم الاضطرار لذلك ، فضلًا عن كون الأولياء الصالحين لا يرون لأنفسهم منقبة أو مقاماً عندما يتحدّثون مع مولاهم جلَّ وعلا ، بل لا يستحضرون إلا الاعتراف بالذنب والتقصير ، والطمع بالعفو والرحمة ، بما يليق بمقامهم ، إما من باب حسنات الأبرار سيئات المُقرَّبين ، أو من باب انتفاء المحدود أمام المطلق . إنَّ نكتة التضادّ بين الظلمة والنور تُساعدنا كثيراً على بيان الانعكاسات الأوّلية للظلمة والنور ، فكلّ انعكاس للظلمة يُقابله انعكاس للنور ، فالعلم وهو أُولى تجلِّيات النور يُقابله الجهل ، والإيمان يُقابله الكفر ، والتوحيد يقابله الشرك ، والهدى يُقابله الضلال ، وهكذا . فما نُثبته لأحد المتضادّين هو نفي للضدِّ عنه ، لنكتة استحالة اجتماع المتضادين ، وهذا ما يُؤكِّد لنا تكوينية التجليات والتشكّلات النورية والظلمانية معاً ، فهما ليسا أمرين اعتباريين ، لِيُمكننا جذب ما نُحبّ والتنصّل عمَّا لا نُحبّ ، ولذلك فالمسؤولية عظيمة تجاه ذلك ، والآثارُ التي يتركها الإخراج والإدخال التكوينيان - على المستوى النوري والمستوى الظلماني - تبعاته جمَّة وعظيمة .