تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منطق فهم القرآن (الأسس المنهجية للتفسير والتأويل في ضوء آية الكرسي) — صفحة 327

مساهمون:

ص٣٢٧
للموالين ، وهذه الحيثية ثابتة الوجود والأثر ، فهي ليست حيثية اعتبارية قابلة للزوال ، كما هو الحال في الحاكمية الاعتبارية للملوك والرؤساء ، الممكنة الزوال عنهم بوجودهم فضلًا عن زوالهم . إنَّ المصداق الحقيقي للكمال الإلهي في السير الأخلاقي للفرد لا بدَّ أن ينطلق من دائرة التمسّك بالولاية الإلهية المجعولة للولي المطلق في ولايته ، أي : الولي الذي لا تقع في عرضه ولاية أُخرى ، وإن كانت هي تأتي في طول ولاية الله تعالى ، فالإنسان يتحرّك فطرياً باتجاه كماله ، ولكنه كثيراً ما يُخطئ في تحديد المصداق الحقيقي للكمال ، فيكون سعيه وعمله جُفاء ويحسب أنه يُحسن صُنعاً « 1 » ، ولذلك يتعيَّن عليه أوّلًا تحديد مسار حركته الكمالية ، ومحور ومركز
هامش
( 1 ) قال تعالى : قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً * أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْناً . الكهف : 103 - 104 . قال السيد الأُستاذ دام ظله : ربما يُقال بأنَّ الإنسان السويّ العاقل قادر على تشخيص كماله بالاعتماد على ملكاته العقلية ووسائله المادّية . وبمعيّة الدواعي الفطرية لذلك ستنتفي الحاجة لوجود الولي المُفترض وجوده ، فما وجه التمسّك به في السير الأخلاقي للفرد ؟ وجوابه : إنَّ السير التأريخي للإنسان يُثبت عكس ذلك تماماً ، فإنه ظلَّ تأريخياً بحاجة ماسّة إلى هداية السماء ، وإن كانت السماء لا تُؤسِّس له المطالب العقدية العليا ، فالبيانات السماوية كُتباً ورُسلًا وأئمةً هدفها الأول إثارة دفائن العقول ، ولكنَّ الإنسان ظلَّ بمسيس الحاجة للسماء ، وأنه لا غنى له عنها ، ومن الواضح بأنَّ السير التأريخي قد سجَّل ولا زال يُسجِّل لنا أعلى درجات الضلال والانحراف التي يقع فيها الإنسان عندما يكون بمعزل عن البيانات السماوية ، وبالتالي فإنَّ تحديد المصداق الحقيقي للكمالات الإلهية التي بها يرتقي الإنسان لا يُمكن تحديده دون معونة السماء ، وهذا هو معنى الهداية التي يقوم بها الولي ، سواء كان رسولًا أم نبيّاً أم وصيّاً ، فالتشخيصات الفردية دون توجيهات / / السماء لا تحمل معها ضمانات حقيقية ، ولعلَّ البعض منها يُؤدي بالإنسان في مهالك وتسافل يعسر الرجعة عنها ، وأمامنا هذا الكمّ الهائل من الأديان والفرق والأحزاب أو التيارات المنحرفة ، والتي تعتقد اعتقاداً راسخاً بأنها على الحقّ ، رغم تناقضها مع بعضها ، ورغم ما تحمله من شعارات وطقوس بائسة ومثيرة للسخرية ، ورغم تهالكها وعدم انضباطها ؛ ولذلك كلّه لا بدَّ من الرجوع إلى بيانات الشارع المقدّس لحفظ سيرنا باتجاه الكمال من الضلالة والانحراف ؛ قال تعالى : قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءكُمُ الحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنَاْ عَلَيْكُم بِوَكِيلٍ . يونس : 108 . منه حفظه الله . .