وهذا الحق الذي سعى لإقامته عليه السلام إنما يكمن في حفظ المصلحتين .
فالإسلام لا ينزل بالغني إلى طبقة الفقراء ، كما فعلت ذلك الاشتراكية البغيضة ، ولا يترك الفقراء بلا لقمة عيش أو فرصة عمل ، كما تفعل الرأسمالية المُستغلِّة ، إنما هو مجتمع تكافلي : وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ * لِلسَّائِلِ وَالمَحْرُومِ ( المعارج : 24 - 25 ) ، وحكومة خدمية أوّلًا وبالذات ، وثانياً وبالعرض ، فلا ذات مرئية للحكومة غير ذات رعيّتها ، وهي القدوة لرعيّتها في ذلك ، فيكون كلّ فرد مُقتدياً بحكومته العادلة الصالحة ، وعندئذ يتحقَّق المراد من قول الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله الذي فصّل فيه المسؤولية بذكر مواردها البارزة في قوله صلى الله عليه وآله :
( ألا كلّكم راع وكلّكم مسؤول عن رعيّته ، فالأمير الذي على الناس راع ، وهو مسؤول عن رعيّته ، والرجل راع على أهل بيته ، وهو مسؤول عن رعيّته ، والمرأة راعية على بيت بعلها وولده وهي مسؤولة عنهم ) « 1 » ،
بحيث يُقدِّم نظريته الفاعلة في حفظ الفرد والمجتمع ثمّ ينتقل إلى الجانب التطبيقي ، فيقول صلى الله عليه وآله : ( إني مسؤول وإنّكم مسؤولون ) « 2 » ، وما هذا إلا انعكاس حقيقي وتطبيق عملي لقول الله تعالى : وَقِفُوهُمْ إِنَّهُم مَّسْؤُولُونَ ( الصافات : 24 ) .
ولا ريب بأنَّ الحكام وأصحاب المناصب العليا ، الدينية والدنيوية . هم المسؤولون الأوائل عن رعاياهم ، وقد ورد فيهم عن أمير المؤمنين علي عليه السلام قوله :
( اتقوا الله في عباده وبلاده ، فإنّكم مسؤولون حتَّى عن البقاع والبهائم ، أطيعوا الله ولا تعصوه ) « 3 »
، إنها مسؤولية تبدأ بالنفس ثمّ بالأسرة ثمّ
هامش
( 1 ) ميزان الحكمة ، للشيخ محمد الري شهري : ج 2 ، ص 1212 ، ح 8034 . وأيضاً : صحيح مسلم : ج 6 ، ص 8 .
( 2 ) الأُصول من الكافي : ج 2 ، ص 606 ، ح 9 .
( 3 ) غرر الحكم ودرر الكلم ، جمع عبد الواحد الآمدي : رقم الحكمة : 7254 . .