النور ؛ وأما ما يُتصيَّد من كونه عليه السلام أراد نفي العتب عنه مطلقاً في سائر
الأعمال الأُخرى ما دام متمسّكاً بالولاية الحقَّة ، فهذا ما لا سبيل إليه ، لاسيَّما وأنهم قد روي عنهم عليهم السلام أنَّ ولايتهم لا تنال إلا بالورع والاجتهاد ، وغير ذلك ممَّا تواتر عنهم .
الثالث : إنَّ الأمانة والصدق والوفاء وغير ذلك من أخلاق حسنة ، المنظورة في غير الموالين لهم قضية حقيقية وليست ادَّعائية ، ولكنها ليست وليدة تولِّي غيرهم ، وإنما هي ثمرات أصل الإسلام والإيمان الذي كانوا عليه والتربية الحسنة ، وأما نفس ولاية الطغاة فمُخرجة لهم من النور إلى الظلمات .
الرابع : إنَّ تلك الأخلاق الحسنة الظاهرية المنظورة من قبل الآخرين لا تدلّ على واقع مطابق لها ، وإنما الواقع الفعلي يتجلَّى عند وقوع الابتلاء ، عندئذ يُمحَّص الصادق من الكاذب ، ويَمِيز الْخَبِيث مِنَ الطيِّبِ ، وهذه القاعدة لا تختصّ بقوم دون آخرين ، فهنالك الكثير من الكتابيين والوثنيين من لديهم صدق وأمانة ووفاء وأخلاق حسنة لا تتوفَّر في الكثير من المسلمين ، ولكنَّ هذا لا يُعطيهم أرجحية في شيء ، ولقد كان أمير المؤمنين علي عليه السلام كثيراً ما يقول في خطبته : ( يا أيها الناس دينكم دينكم ، فإنَّ السيّئة فيه خير من الحسنة في غيره ، والسيئة فيه تغفر ، والحسنة في غيره لا تقبل ) « 1 » .
ولعلّه عليه السلام أراد بقوله القضية الخارجية في عهده ، حيث كان يُعاني فيه أتباع أهل البيت عليهم السلام من التجويع والتشريد والتغريب والتقتيل ما طفحت به مدوّنات التأريخ ، فكان من الطبيعي أن يُقال في حقِّهم أنهم لا يُعاتبون بشيء جرَّاء ما يُعانونه قبال تمسّكهم بأئمة الحقّ ، والقضية الخارجية لا يسري حُكمها إلى موضوع آخر له ظروفه الخاصّة به ، وإلا صار من قبيل
هامش
( 1 ) أُصول الكافي : ج 2 ، ص 464 ، ح 6 . .