السجود لآدم عليه السلام عبادة له ، . . . فَسَجَدُواْ إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ ( البقرة : 34 ) ، وقد حاول الرجيم - كما جاء في الأخبار - إبدال السجود لآدم بالسجود المباشر إلى الله تعالى ، استكباراً منه وعتوّاً ، فأجابه سبحانه : قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ ( الحجر : 34 ) . إنَّ دعوة إبليس الرجيم قد تبدو للغافلين في ظاهرها توحيدية ، حيث السجود والمتابعة بلا واسطة ، ولكنها عين الكفر والجحود لأنها لم تُحقِّق رسوم الطاعة ، وكم لهذه الدعوة الشيطانية من أتباع في كلّ زمان ومكان ، حيث أنكروا كون الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسيلة إلى الله تعالى « 1 » ، فقالوا إننا نعبد الله بشكل مباشر ، ظنّاً وجهلًا منهم بأنَّ وسائلية الرسول صلى الله عليه وآله عبادة للرسول ، وأنها منافية للتوحيد ، ففرّوا من الشرك المُتوهَّم ليقعوا في نكران ما أمر الله تعالى بلزومه ، وأما جوابهم فالكلام هو الكلام ، فتدبّر « 2 » .
هامش
( 1 ) روى القاضي عياض في الشفاء بإسناده عن ابن حميد أنه ناظر أبو جعفر المنصور مالكاً في مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله - وكان المنصور قد رفع صوته في المسجد النبوي - فقال له مالك : يا أمير المؤمنين لا ترفع صوتك في هذا المسجد . . . وإن حرمته ميتاً كحرمته حياً ، فاستكان لها أبو جعفر ، وقال : يا أبا عبد الله أستقبل القبلة وأدعو ، أم أستقبل رسول الله صلى الله عليه وآله ؟ فقال : ولم تصرف وجهك عنه وهو وسيلتك ووسيلة أبيك آدم عليه السلام إلى الله تعالى يوم القيامة ، بل استقبله واستشفع به فيشفعه الله تعالى ، قال الله تعالى : وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُواْ أَنفُسَهُمْ جَآؤُوكَ فَاسْتَغْفَرُواْ اللهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُواْ اللهَ تَوَّاباً رَّحِيماً النساء : 64 . انظر : شفاء السقام ، تقي الدين السبكي : ص 70 . وأيضاً : وفاء الوفا ، للسيد نور الدين علي بن عبد الله بن أحمد الحسني الشافعي السمهودي : ج 4 ، ص 1360 - 1362 .
( 2 ) عن أبي عبد الله عليه السلام قال :
( والله لو أن إبليس سجد لله بعد المعصية والتكبّر عمر الدنيا ما نفعه ذلك ، ولا قبله الله عزّ وجلّ ، ما لم يجد لآدم كما أمره الله عزَّ وجلَّ أن يسجد له ، وكذلك هذه الأمّة العاصية المفتونة بعد نبيّها صلى الله عليه وآله وسلم ، وبعد تركهم
/ / الإمام الذي نصبه نبيّهم صلى الله عليه وآله وسلّم لهم ، فلن يقبل الله لهم عملًا ، ولن يرفع لهم حسنة حتى يأتوا الله من حيث أمرهم ، ويتولَّوا الإمام الذي أُمروا بولايته ، ويدخلوا من الباب الذي فتحه الله ورسوله لهم ) .
وسائل الشيعة ، للفقيه المحدّث الشيخ محمد بن الحسن الحرّ العاملي : ج 1 ، ص 118 ، ح 5 . وقد أفرد رحمه الله باباً مُستقلًا بذلك أسماه : ( باب بطلان العبادة بدون ولاية الأئمة عليهم السلام واعتقاد إمامتهم ) وروى فيه تسع عشرة رواية ، كلّها تُؤكِّد هذا المعنى ، وهو أنَّ الولاية شرط في قبول الأعمال . .