تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منطق فهم القرآن (الأسس المنهجية للتفسير والتأويل في ضوء آية الكرسي) — صفحة 308

مساهمون:

ص٣٠٨
وإمامة وولاية النبيّ الأكرم صلى الله عليه وآله ، فهل أعمالهم الصحيحة - كالتي يقوم بها غير المسلمين من أصحاب الشرائع السماوية الأُخرى « 1 » - تُقبل
هامش
( 1 ) قد يُقال : إنَّ جملة من النصارى لا ينفون نبوّة النبي الأكرم صلى الله عليه وآله ، بل يعتقدون بنبوّته ورسالته ، ولكنهم لا يتابعونه اتّباعاً لما أُلزموا به في ديانتهم المسيحية ، وبالتالي فهم غير مناوئين ، بل هم محبّون وموالون حبّاً وعاطفة لا عملًا ، فيصدق فيهم قوله تعالى : . . . وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَّوَدَّةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ قَالُوَاْ إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَاناً وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ * وَإِذَا سَمِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُواْ مِنَ الحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ . المائدة : 82 - 83 ، فما الضير في قبول أعمالهم مع البقاء على ما هم عليه من عقائدهم ؟ وجوابه : إنَّنا قد استوفينا البحث في مراتب المتابعة للولي المجعول من قبل الله تعالى ، وقد بيَّنا بأنَّ مرتبة الحبّ والمودّة هي المرتبة الدانية منها ، وأنَّ فوقها مراتب عدّة ، منها لزوم الطاعة والمتابعة له ، فمن تحقَّق منه ذلك صار مسلماً واقعياً ، ولا ينطبق عليه عنوان آخر ، وأما ما جاء في الآيتين من سورة المائدة فإنها تتحدّث عن حادثة خاصّة بنصارى الحبشة ، لا عن جميع النصارى في العالم ، وأُولئك كان يُمثّلون حالة خاصّة في التأريخ حيث سمعوا الحقَّ وأقرّوا به ، وجملة من الأخبار تذكر بأنَّ ملك الحبشة وجملة من القِسِّيسِينَ وَالرُهْبَان قد أسلموا والتزموا بنبوّة وإمامة وولاية النبي الأكرم صلى الله عليه وآله . وبغضِّ النظر عن صحّة الخبر فإنهم مشمولون كغيرهم بما قدّمناه ، فمن انعقد الحبّ في قلبه دون أن تتحقَّق منه الطاعة والمتابعة يكون مشمولًا بقاعدة عدم قبول الأعمال ، كما سيأتي ، وأنَّ أعماله الصحيحة لا تغدو صالحة ، لعدم تأتِّي نية القربة التامّة منه ، إلا في حالة واحدة هي قطعه بأنه غير ملزم بالطاعة للنبي ومتابعته ، أو لم يقم عنده الدليل الناهض على ترك ما هو عليه واتّباع الإسلام طريقاً ومنهجاً ، وينبغي أن يكون قطعه هذا مبتنياً على التحقيق لا على مجرّد المتابعة لعلمائهم ورهبانهم ، فذلك تقليد أعمى ، والتقليد في هذه المسألة غير مقبول البتة ، علماً بأنَّ القرآن الكريم قد كشف لنا عن كون الكتابيين كانوا عارفين به صلى الله عليه وآله ، ولكنهم لم يستجيبوا ، بل إنَّ فريقاً منهم - أي : علماءهم - كتموا الحقّ فضلُّوا وأضلّوا ؛ قال تعالى : الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ / / أَبْنَاءهُمْ وَإِنَّ فَرِيقاً مِّنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ . البقرة : 146 ، فهم الذين خسروا أنفسهم بعدم إيمانهم ، كما ورد صريحاً في قوله تعالى : الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءهُمُ الَّذِينَ خَسِرُواْ أَنفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ . الأنعام : 20 . منه ( دام ظله ) . .