تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منطق فهم القرآن (الأسس المنهجية للتفسير والتأويل في ضوء آية الكرسي) — صفحة 300

مساهمون:

ص٣٠٠
للتولِّي بدون أن يتحقَّق التبرِّي ، وقد جاء ذلك صريحاً في المقطع الثاني من آية الكرسي ، وهو قوله تعالى : ( فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالعُرْوَةِ الوُثْقَىَ ) ، حيث قُدِّم الكفر بالطاغوت على الإيمان بالله سبحانه ، وقد عرفت في بحوث أنَّ من معاني الكفر بالطاغوت والإيمان بالله تعالى : البراءة من أعداء الله جميعاً ، وتولّي أولياءه سبحانه . وقد ورد هذا المعنى في أكثر من مورد قرآني ، كما في : لَا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَاليَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءهُمْ أَوْ أَبْنَاءهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ . . . ( المجادلة : 22 ) ، فهؤلاء المؤمنون لم يُكتب في قلوبهم الإيمان ، ولم يؤيّدوا بروح منه ، ولم يُوعدوا بدخول الجنّة إلا بعد أن حقَّقوا معنى البراءة ممَّن يُعادون الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وآله ، بل الآية تعدّ الإيمان بدون التبرِّي سالباً بانتفاء موضوعه .

البحث الرابع : تصويرات الاستمساك بِالْعروة الْوثْقَى

لا ريب بأنَّ الكفر بالطاغوت والإيمان بالله تعالى مُفضيان للتمسّك بالعروة الوثقى ، ولكنَّ هذا التمسّك مشروط بتحقّق معنى الكفر ومعنى الإيمان ، ومعناهما هو الالتزام بلوازمهما ، فالإيمان مثلًا يستلزم الطاعة المطلقة ولزوم المتابعة ، ومن جملة أولويات هذه الطاعة التقيُّد بالطاعة المطلقة للأولياء المُنصَّبين من قبله سبحانه ، فالخروج عن طاعتهم عمداً لازمه الخروج من حريم الولاية الإلهية والدخول في ولاية الشيطان ، وبالتالي فإنَّ كلمة التوحيد لا تكفي وحدها في الإخراج من الظلمات إلى النور ، ولو كان ذلك الأمر كافياً لانتفع به الطاغوت الأكبر ، فالشيطان قد أمر الإنسان بالكفر ولكنه لم يدَّعِ الألوهية لنفسه ؛ قال تعالى : كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِّنكَ إِنِّي أَخَافُ اللهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ ( الحشر : 16 ) ، فالمخلوق الوحيد الذي
منطق فهم القرآن (الأسس المنهجية للتفسير والتأويل في ضوء آية الكرسي) — صفحة 300 | السيد كمال الحيدري