الشرك ، بين معطيات الرشد ومعطيات الغواية ، معطيات العلم ومعطيات الجهل ، معطيات الحقّ ومعطيات الباطل ، فليس هنالك نقطة التقاء سوى التبليغ ، وما عداه فالهويتان ليس فيهما سوى العلامات الفارقة ، والتضادّ والتنافي المطلق .
من هنا تتجلَّى أمامنا الخطوط العامّة لصور الكفر بالطاغوت ، فإنها لا تتوقّف عند إعلان البراءة من نفس الطاغوت ، وإنما تتجاوز ذلك للبراءة من أعوان الطاغوت وأنصاره ، ولا تتوقّف عند ذلك وإنما تتجاوزه إلى إبداء العداوة والبغضاء ، فلا يجوز أن نُلقي إليهم بالمودّة ، كما هو صريح قوله تعالى : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاء تُلْقُونَ إِلَيْهِم بِالمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءكُم مِّنَ الحَقِّ . . . ، فجعَل إلقاء المودّة إليهم موالاة لهم ، بمعنى اتخاذهم أولياء ، وهذا يعني عود الطاغوتية والإخراج من النور إلى الظلمات ، بل إنَّ النهي يتجاوز مستوى الإلقاء إلى مستوى إسرار المودّة ، فتكون مودّة الذين كفروا ممنوعة جهراً وسرّاً ، وهذا ما جاء في ذيل الآية الآنفة ، وهو قوله تعالى : تُسِرُّونَ إِلَيْهِم بِالمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنتُمْ وَمَن يَفْعَلْهُ مِنكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاء السَّبِيلِ ( الممتحنة : 1 ) .
ولذلك كلِّه ينبغي توخِّي الحذر الشديد ، فإنَّ الكفر بالطاغوت لا يتجزَّأ أبداً ، وقد تقدّم في التقسيمات أنَّ هنالك كفراً يُسمَّى بالكفر بترك ما أمر الله تعالى به ، ومثّلنا له بقوله تعالى : . . . أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ . . . ، والحذر الشديد يتأكَّد في زلل اللسان ، لاسيَّما إذا صدرت من أُناس لهم حضور وحظوة ، وقد ورد في الحديث : ( ما من يوم إلا وكلُّ عضو من أعضاء الجسد يكفّر اللسان ، يقول : نشدتك الله أن أعذب فيك ) « 1 » ، أي : يذلّ
هامش
( 1 ) أُصول الكافي : ج 2 ، ص 115 ، ح 12 . .