ولهذه التقسيمات مناشئ قرآنية ، كما نُبِّه لذلك في الحديث ، فكفر الجحود إما أن يكون على علم فيمنعهم الكبر من قبول الحقّ والعمل به ، أو على جهلٍ استحكم بهم فلم يعد في إنذارهم نفع ، والأوّل كما في قوله تعالى : وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ المُفْسِدِينَ ( النمل : 14 ) ، والثاني كما في قوله تعالى : وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ ( يس : 10 ) ، وأما الكفر بترك ما أمر الله تعالى به فكما في قوله تعالى : . . . أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ . . . ( البقرة : 85 ) ، وأما كفر النعم ، فكما في قوله تعالى حكاية عن نبيّه سليمان عليه السلام : . . . قَالَ هَذَا مِن فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ ( النمل : 40 ) ، وأما كفر البراءة ، فكما في قوله تعالى : قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَاء مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاء أَبَداً حَتَّى تُؤْمِنُوا بِالله وَحْدَهُ ( الممتحنة : 4 ) .
وهذا القسم الأخير له صلة وثيقة بموضوعة بحثنا ، فقد تبرّأ إبراهيم عليه السلام من الطواغيت التي تُعبد من دون الله تعالى ومن أتباع الطواغيت ، ولنا به أُسوة ، فقوله تعالى في مورد البحث : ( فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ ) ، لا يتوقَّف عند شخص الطاغوت ، وإنما لا بدَّ أن يشمل أتباعه أيضاً ، فكان موقف إبراهيم الخليل عليه السلام حامل لواء التوحيد واضحاً وصريحاً ، فإنَّ الطاغوت لا وجود له لولا أتباعه ، فهم أسوأ حظّاً من أوليائهم ، ولذا أعلن عليه السلام موقفه : وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاء أَبَداً حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللهِ وَحْدَهُ ، فلا مناص من ذلك ، ولا ريب بأنَّ هذه العداوة والبغضاء ليست أمراً صورياً ، أو أنه أمر اعتباري اقترحه إبراهيم عليه السلام ، وإنما هو النتاج الطبيعي والعملي الذي تفرضه طبيعة التنافي بين معطيات التوحيد ومعطيات
منطق فهم القرآن (الأسس المنهجية للتفسير والتأويل في ضوء آية الكرسي) — صفحة 294
مساهمون: السيد كمال الحيدري
ص٢٩٤