الإكراه المنفيّ في الآية هو الإكراه القلبي لا النفسي المندوب له ، وبعبارة أُخرى :
الإكراه القلبي على فرض إمكانه هو إلغاء للشخصية الإنسانية ، والإكراه النفسي بناء للشخصية الإنسانية .
علاقة نفي الإكراه بإشكالية التفويض
حاول جملة من أعلام المعتزلة الاستفادة من خصوصية نفي الإكراه المطلق في الدين في إثبات مقولتهم في التفويض ، والتفويض عقيدة أساسية من عقائدهم القائمة على أساس إثبات الاختيار المطلق والحريّة المطلقة للإنسان « 1 » وأنَّ الله تعالى قد فوَّض للإنسان جميع أعماله ، فليس لله تعالى مدخلية في إيجادها أو نفيها .
قال الفخر الرازي : ( المسألة الثانية : في تأويل الآية وجوه ، أحدها : وهو قول أبي مسلم والقفال وهو الأليق بأصول المعتزلة : معناه أنه تعالى ما بنَى أمر الإيمان على الإجبار والقسر ، وإنما بناه على التمكّن والاختيار ، ثمَّ احتجَّ القفال على أنَّ هذا هو المراد بأنه تعالى لما بيّن دلائل التوحيد بياناً شافياً قاطعاً للعذر ، قال بعد ذلك : إنه لم يبق بعد إيضاح هذه الدلائل للكافر عذر في الإقامة على الكفر إلا أن يقسر على الإيمان ويجبر عليه ، وذلك مما لا يجوز في دار الدنيا التي هي دار الابتلاء ؛ إذ في القهر والإكراه على الدين بطلان معنى الابتلاء والامتحان ، ونظير هذا قوله تعالى : فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ ،
هامش
( 1 ) في قبال دعوى الحرية المطلقة لله تعالى ، المفضية للقول بإمكان صدور القبيح منه - والعياذ بالله تعالى - وللقول بالجبرية من جهة أُخرى ، وهي دعوى الأشعرية ، الذين لم يلتزموا بمقولة العدلية ( الشيعة والمعتزلة ) القائمة على أساس الإيمان بالعدل ، وأنَّ الله تعالى قد أوجب ذلك على نفسه ، فلا يُمكن صدور القبيح منه ، ويجب الوفاء بالوعد ، وما شابه ذلك من المسائل المتعلّقة بالعدل . .