التفريق بين الإكراه القلبي والإكراه النفسي ، فقوله تعالى : لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ،
أيشمل الإكراهين معاً أم يقتصر على الإكراه القلبي ؟
الصحيح في المقام أنَّ الإكراه النفسي يُعتبر مسألة أخلاقية حثَّ عليها الشارع المقدّس ، وقد ورد عن أمير المؤمنين علي عليه السلام أنه قال : ( إنَّ للقلوب شهوةً وإقبالًا وإدباراً ، فأتوها من قبل شهوتها وإقبالها ، فإنَّ القلب إذا أُكره عُمي ) « 1 » ، فالقلب لا بدَّ أن يقبل الشيء بمحض اختياره وإرادته ، بمعنى : إذا توفَّرت أسباب الاعتقاد فالقلب يندفع باتجاه الاعتقاد ، وإذا لم تتوفَّر له فلا يُقبل ، وإذا ما حصل إكراه له سيتنفَّر ، وإن أُلزم الإنسان بالفعل المُكره عليه دون أن يقبل عيه بقلبه فسينتهي المقام بقلبه إلى العمى المطبق ، وهذا العمى هو مرتبة عميقة في سلّم تسفّل الإنسان إن لم تكن نهايته ؛ قال تعالى : . . . فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ ( الحج : 46 ) .
فالإكراه على العقيدة المُعمي للقلوب غير إكراه النفس على فعل المثوبات وترك الموبقات ، فذلك إحياء للقلوب ، وقد ورد أيضاً عن أمير المؤمنين علي عليه السلام قوله :
( أفضل الأعمال ما أكرهت نفسك عليه ) « 2 » ،
أي : ما وافقت به عقلك الداعي للطاعة ، وخالفت به الشهوة الداعية للمعصية . وهذا الإكراه المُحبَّب والمندوب له يدخل في باب الترويض الذي به يكون الإنسان إنساناً ، وينال المراتب العالية التي تقيه أهوال يوم القيامة وتمنحه الأمان ، فعنه عليه السلام :
( وإنما هي نفسي أروضها بالتقوى ، لتأتي آمنة يوم الخوف الأكبر . . . ) « 3 » ،
وعليه فإكراه القلب مصيره العمى ، وإكراه النفس مصيره الاستبصار ، فيكون
هامش
( 1 ) نهج البلاغة ، تعليق الشيخ محمد عبده : ج 4 ، ص 44 ، رقم : 193 .
( 2 ) المصدر نفسه ، رقم : 249 .
( 3 ) المصدر السابق : ج 3 ، ص 71 . .