تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منطق فهم القرآن (الأسس المنهجية للتفسير والتأويل في ضوء آية الكرسي) — صفحة 284

مساهمون:

ص٢٨٤
بالإكراه محلّ قبول الشارع المقدّس ، وأنَّ هذا الظاهر المقبول لا يكشف بصورة واقعية عن الإيمان الحقيقي ، وإنما هو كاشف ظاهري ، وهو كافٍ في حفظ النفس والمال والعرض بحسب المقرّرات الشرعية . إذن فالأحوال القلبية لها أسبابها وعللها الخاصّة ، وهي بعيدة كلَّ البعد عن حالة الإكراه ، بل إنَّ الإكراه عادة ما يخلق مناخات عكسية تُفضي إلى نقض الغرض وهدم وحرق جميع مراتب السلّم الكمالي ، وبحسب فلسفة الكمالات الإلهية : أنَّ كلَّ قول أو فعل إذا لم يرتقِ بالإنسان أُفقاً فإنه يتسافل به أرضاً البتّة . قال الطباطبائي : ( الإكراه هو الإجبار والحمل على الفعل من غير رضى ، وفي قوله تعالى : لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ نفى الدين الإجباري ، لما أنَّ الدين وهو سلسلة من المعارف العلمية التي تتبعها أخرى عملية يجمعها أنها اعتقادات ، والاعتقاد والإيمان من الأمور القلبية التي لا يحكم فيها الإكراه والإجبار ، فإنَّ الإكراه إنما يؤثّر في الأعمال الظاهرية والأفعال والحركات البدنية المادّية ، وأما الاعتقاد القلبي فله علل وأسباب أخرى قلبية من سنخ الاعتقاد والإدراك ، ومن المحال أن ينتج الجهل علماً ، أو تولِّد المقدّمات غير العلمية تصديقاً علمياً ، فقوله : لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ، إن كان قضية إخبارية حاكية عن حال التكوين أنتج حكماً دينياً بنفي الإكراه على الدين والاعتقاد ، وان كان حكماً إنشائياً تشريعياً كما يشهد به ما عقّبه تعالى من قوله : قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ ، كان نهياً عن الحمل على الاعتقاد والإيمان كرهاً ، وهو نهي متّكٍ على