صفات الراشد والغاوي
من خصائص القرآن الكريم تقديمه البيانات الأساسية لكلّ مفهوم يطرحه ، فتجده عندما يطرح مفهوم الأبرار والمُتّقين يُبيِّن لنا صفاتهم ، وعندما يطرح مفهوم المخلصين والشاكرين يُقدِّم لنا ذلك من خلال عرض المصاديق الفعلية لها ، بمعنى أنَّ هنالك مجموعة صفات يجب توفّرها لينطبق المفهوم ، وهكذا نجده في مفاهيم الشرك والكفر والنفاق فإنه يُقدِّمها من خلال عرض مجموعة صفات تُؤطِّر لنا المفهوم ، وهكذا الحال في مفهومي الرشد والغيّ ، حيث يتعرَّض القرآن الكريم لبيان صفات الراشدين وصفات الغاوين .
قال تعالى : وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِّنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَكِنَّ اللهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُوْلَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ ( الحجرات : 7 ) ، فهنالك صفات إيجابية يجب الاتّصاف بها ، تتمثّل بحبّ الإيمان والرغبة فيه ، وهنالك صفات سلبية يجب التنزّه عنها ، تتمثّل بنفي الكفر والفسوق والعصيان ، عندئذ يتّصف الجامع لصفات الإيجاب والنفي بالراشدية ؛ وفي قبال ذلك يُقدِّم لنا مفهوم الغواية والغاوية من خلال صفات مُعيّنة ؛ قال تعالى : إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ ( الحجر : 42 ) ، فمن صفات الغاوين : اتّباعهم للشيطان ، أو من كان للشيطان سلطان عليهم ، وهذا يعني أنَّ الخارج عن سلطان الشيطان يكون من الراشدين ، فتُضاف صفة جديدة للراشدية ، كما هو واضح .
وقال تعالى : وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِيَ آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ ( الأعراف : 175 ) ، حيث تُقرِّر لنا الآية حقيقة كون الانسلاخ والتنصّل عن آيات الله تعالى هو مقدّمة أُولى لطريق الغاوين ، لأنه يكون قد وفَّر الأرضية والمرتع الخصب للشيطان ، فيكون مؤهَّلًا لاحتضان