تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منطق فهم القرآن (الأسس المنهجية للتفسير والتأويل في ضوء آية الكرسي) — صفحة 288

مساهمون:

ص٢٨٨
وقال في سورة أخرى : وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لآمَنَ مَن فِي الأرض كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنتَ تُكْرِهُ الناس حتى يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ ) « 1 » ، فالإكراه يعني الجبر ، وهو منفي بصريح الآية ، ونفيه يعني إثبات التفويض . هذه خلاصة مُدَّعى المعتزلة ، ولكنه استدلال سقيم ، لأنه موقوف على إثبات أصل غير ثابت البتّة ، فلكي يثبت الاستدلال بالآية على موضوعة التفويض لابدَّ من إثبات نسبة التناقض بين الجبر والتفويض ، وهو أمر غير ثابت ، فهنالك مقولة ثالثة بينهما ، وهي مقولة أهل البيت عليهم السلام المتمثّلة بالقول بالأمر بين أمرين ، فلا جبر ولا تفويض ، التي بها يُحفظ اختيار الإنسان ، فتنفي مقولة الأشاعرة ، دون أن يُسلب سلطان الله تعالى ، فتنفي مقولة المعتزلة . عن محمد بن يحيى عمّن حدثه عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام قال : ( لا جبر ولا تفويض ولكن أمر بين أمرين ، قال : قلت وما أمر بين أمرين ؟ قال : مثل ذلك : رجل رأيته على معصية فنهيته فلم ينتهِ ، فتركته ففعل تلك المعصية ، فليس حيث لم يقبل منك فتركته كنت أنت الذي أمرته بالمعصية ) « 2 » . وفي رواية أُخرى عُبِّر عن هذه المنزلة باللطف . عن أبي طالب القمّي عن رجل عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام قال : ( قلت : أجبر الله العباد على المعاصي ؟ قال : لا ، قلت : ففوّض إليهم الأمر ؟ قال : لا ، قلت : فماذا ؟ قال : لطف من ربّك بين ذلك ) « 3 » .
هامش
( 1 ) التفسير الكبير ( مفاتيح الغيب ) : ج 3 ، ص 14 - 15 . والآية الأُولى : الكهف : 29 . والآيتان الأُخريان : الشعراء : 3 - 4 . ( 2 ) أُصول الكافي : ج 1 ، ص 160 ، ح 13 . ( 3 ) المصدر السابق : ج 1 ، ص 159 ، ح 8 . .