تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منطق فهم القرآن (الأسس المنهجية للتفسير والتأويل في ضوء آية الكرسي) — صفحة 283

مساهمون:

ص٢٨٣
في قوله تعالى : وَمِمَّنْ حَوْلَكُم مِّنَ الأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ المَدِينَةِ مَرَدُواْ عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُم مَّرَّتَيْنِ ثمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ ( التوبة : 101 ) ، لنخرج بنتائج خطيرة جداً في شأن جملة من الصحابة ، فالآية تتحدّث عن مسلمين منافقين ، لا عن مشركين أو كتابيّين ، ومنهم من أهل المدينة ، مركز الدولة الإسلامية آنذاك ، والسؤال هو : لماذا خفي نفاق هؤلاء على الرسول صلى الله عليه وآله - بحسب الظاهر - فضلًا عمَّن سواه ؟ والجواب واضح جداً ، ومن جهتين : الأُولى : أنهم كانوا يقوموا بأعمال إيمانية كثيرة ، أقلّها الدأب على الصلاة في المسجد النبوي والمشاركة في الجهاد بأموالهم وربما بأنفسهم إذا لزم الأمر ، وهذه الأعمال وغيرها قد أسدلت الستار حول شخصيتهم النفاقية الحقيقية ، فخفي أمرهم بهذا النحو ، ولذلك لم يُطلب من الرسول صلى الله عليه وآله الإعلان عنهم ومحاسبتهم ، عملًا بظواهر الشريعة . والثانية : أنَّ كشفهم أمام الملأ فيه مفسدة كبيرة لسائر المسلمين ، لعدم وضوح إيمانهم ، فلو أُعلن عن نفاق واحد أو مجموعة منهم لوقع التشكيك من قبل المسلمين بأنفسهم ، لأنَّ هؤلاء قدوات كبيرة في المجتمع ، وما نفهمه من قوله : لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ هو الأمر بعدم كشف أمرهم على الملأ لوقوع المفسدة بذلك من جهة ، ومن جهة أُخرى : إنه سبحانه تكفَّل بعذابهم ثلاث مرّات ، كما هو ظاهر النصّ ؛ والدليل على علمه صلى الله عليه وآله بالمنافقين هو أنه أسرَّ بأسماء جميع المنافقين إلى حافظ سرِّه حذيفة بن اليمان رضوان الله عليه « 1 » ، وبذلك نخلص إلى أنَّ الإقرار الظاهري بالحالة الإيمانية غير المقرون
هامش
( 1 ) حذيفة بن اليمان صحابي كبير ، اسم والده حسيل ، وإنما نسب إلى اليمان لأنه اسم جده الأعلى ، فهو : حذيفة بن حسيل بن جابر بن ربيعة بن عمرو بن اليمان العبسي ؛ حافظ / / سرِّ الرسول صلى الله عليه وآله ، وقد قال فيه برواية الفريقين : ( حذيفة بن اليمان من أصفياء الرحمن ) ، بحار الأنوار : ج 22 ، ص 343 . وأيضاً : فيض القدير شرح الجامع الصغير : ج 3 ، ص 573 ، ح 3877 . .