وهذه إحدى الآيات الدالّة على أنَّ الإسلام لم يبتن على السيف والدم ، ولم يُفْتِ بالإكراه والعنوة ، على خلاف ما زعمه عدّة من الباحثين من المنتحلين وغيرهم أنَّ الإسلام دين السيف واستدلّوا عليه بالجهاد الذي هو أحد أركان هذا الدين - مع - أنَّ القتال الذي ندب إليه الإسلام ليس لغاية إحراز التقدّم وبسط الدين بالقوّة والإكراه ، بل لإحياء الحق والدفاع عن أنفس متاع للفطرة وهو التوحيد « 1 » .
الإكراه الظاهري والإكراه القلبي
ما الذي يراد بالإكراه في الدين ؟ أيُراد به النفي الظاهري فيكون نفي الإكراه القلبي منفياً أيضاً بقياس الأولوية ، أم أنَّ المنفيَّ حقيقة هو خصوص القلبي ، فيبقى الإكراه الظاهري على حاله ، وبالتالي يتسنَّى للآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر إكراه الشخص غير المُقرّ أو المُلتزم بالدين على الإقرار الظاهري بالدين والالتزام به ؟
قال ابن الجوزي : ( . . . الثاني : إنَّ المراد به ليس الدين ما يدين به في الظاهر على جهة الإكراه عليه ، ولم يشهد به القلب ، وينطوي عليه الضمائر ، وإنما الدين هو المعتقد بالقلب . . . ) « 2 » ، فيكون متعلَّق الإكراه المنفيّ هو الإكراه القلبي لا الإكراه الظاهري ، وبالتالي سيتسنَّى الإكراه الظاهري لعدم نفيه بلسان الآية .
والصحيح في المقام هو أنَّ الإكراه القلبي أمر غير مقدور عليه فيكون نفيه أمراً عبثياً ، ولذلك فالمنفي هو الإكراه الظاهري ، ومن الواضح جداً بأنَّ السرائر لا تترتّب عليها الأحكام الشرعية ، وإن كانت السرائر هي محور قبول
هامش
( 1 ) انظر : الميزان في تفسير القرآن : ج 2 ، ص 342 . بتصرّف يسير . منه ( دام ظلّه ) .
( 2 ) نواسخ القرآن ، لابن الجوزي البغدادي : ص 92 . .