تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منطق فهم القرآن (الأسس المنهجية للتفسير والتأويل في ضوء آية الكرسي) — صفحة 280

مساهمون:

ص٢٨٠

المستوى الثاني : وضوح طريقي الرشد والغيّ

وأما النكتة الأُخرى فتكمن في تجلية الموقف أمامه ، فلم يُترك الإنسان لنتاجه الفكري حصراً ، وإنما أُوضحت له منظومة السير الصحيح ، فعُرِّف بما هو حقّ وبما هو باطل ، وفقاً لقوله تعالى : إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً ( الإنسان : 3 ) ، ومُنح فرصة الاختيار تبعاً لأرضيته الفكرية السليمة القائمة على أساس انتخاب الأفضل - وإن كان يُخطئ في تحديد المصداق ، تبعاً للواهمة أو متابعة الحسّ - فينتخب ما يراه مناسباً له ، وفقاً لقوله تعالى : . . . اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ( فصّلت : 40 ) . ولم يُترك له ما ينفعه وما يضرّه إلا وبيّنه ومثّله له ، وفقاً لقوله تعالى : وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِن كُلِّ مَثلٍ . . . ( الإسراء : 89 ) ، فجُمع له الحُسنيان ، حقّ الانتخاب وحقّ التبيين ، فكيف يستقيم مع ذلك كلّه فرض الجبر أو الإكراه ؟ قال الكاشاني : ( إنَّ الإيمان رُشد يوصل إلى السعادة الأبدية ، وإنَّ الكفر غيّ يؤدي إلى الشقاوة السرمدية ، فلا حاجة إلى الإكراه ) « 1 » . وطبقاً لقاعدة انتخاب الأفضل فإنَّ العاقل مَن تَمَحْوَرَ في دائرة نور الإيمان ونأَى بنفسه عن دوائر ظلمات الكفر ؛ وعندئذٍ لا يبقى معنى للإكراه أو موضوع له بعد أن تبيَّن للناس وجها الحقّ والباطل ، ووجها الهدى والضلال المُبين ، وليس بعد الكشف انكشاف جديد ، أو كما يُقال : ليس بعد عبّادان قرية . قال الطباطبائي : والدين لما انكشفت حقائقه واتّضح طريقه بالبيانات الإلهية الموضحة بالسنّة النبوية فقد تبيّن أنَّ الدين رشد والرشد في اتّباعه ، والغيّ في تركه والرغبة عنه ، وعلى هذا لا موجب لأن يُكرِه أحد أحداً على الدين .
هامش
( 1 ) الأصفى في تفسير القرآن ، للكاشاني : ج 1 ، ص 4 . .