وهذا من حسن صنيعه سبحانه في خلقه جلَّت قدرته وتجلَّت حكمته ورحمته .
الآن وبعد هذا الاستذكار المُوجز والإضافات اليسيرة ، ينبغي لنا التوقّف قليلًا عند نكتة عدم الإكراه ، وبيان الوجه في ذلك .
النكتة في عدم الإكراه
أمّا النكتة في عدم الإكراه ، أيّاً كان قسم مُتعلّق الإكراه ، وأيّاً كان المقصودون في الخطاب ، فيُمكن عرضها على مستويين ، وهما :
المستوى الأوّل : لحاظ الجانب القيمي في الإنسان
لا ريب بأنَّ من الخطوط البيانية للقرآن الكريم وسطور فلسفته العُليا : أنه تعاطى مع الإنسان على أنه يُمثّل القيمة العليا في هذا الوجود ، وطالما دعاه للحوار الإيجابي والتفكّر والتأمّل ، بمعنى أنه كان يلحظ في خطاباته كثيراً أهمّية المعطى البشري وتراثه التأريخي وأثره في حركة الإنسان العمرانية على الأصعدة المادّية والفكرية والمعنوية .
وهذه النظرة الإيجابية قد استحقَّها الإنسان ، لامتيازه بالعقل ، وهي ليست نظرة استدراجية كما يُستدرج الطفل ، وإنما هي رعاية فعلية لِما عليه الإنسان من قوّة إبداعية وخلَّاقية استثنائية تفرَّد بها عن سائر المخلوقات ، وبالتالي فإنَّ من مُقتضيات حكمته الانطلاقَ مع الإنسان من حيث انتهى الإنسان لا من نقطة الصفر « 1 » . وهذا المُعطى الإنساني يرفع الإنسان إلى
هامش
( 1 ) هنالك نظرة سلفية سلبية تلغي المُعطى الإنساني التأريخي ، فتُصوِّر لنا أنَّ الإسلام بنصوصه القرآنية والنبوية قد أسَّس للإنسان كلَّ شيء في حياته ، بمعنى ليُبدل حياة الإنسان بحياة أُخرى مُغايرة تماماً لجميع تفاصيل حياته السابقة ، وقد حاولت ربط ذلك بالكفر والإيمان ، وكون النسبة بينهما هي التنافي التام ؛ ولكنها نظرة قاصرة جداً ، فإنَّ القرآن الكريم يُحدّثنا عن المكنة المعنوية لهؤلاء ، وأنَّ لبعضهم ما يُمكّنه من سبر غور عالم / / الملكوت فضلًا عن الملك ، وهذا تصريح في غاية الأهمّية عن واقع حال يُحاول أصحاب النظرة الإقصائية نفيه . ليتأمَّلوا قليلًا في قوله تعالى : أَوَلَمْ يَنظُرُواْ فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللهُ مِن شَيْءٍ وَأَنْ عَسَى أَن يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ . الأعراف : 185 ، ولنا أن نسأل : أين ذهبت جهود الأنبياء السابقين عليهم السلام ، وقد جاؤوا جميعهم رافعين شعار التوحيد ؟ وكيف لنا أن نُبرِّر إيمان الصحابة الأوائل - الذين كان غالبهم على ملّة الكفر - بمجرّد سماع كلمة من كلمات القرآن أو كلمات الرسول صلى الله عليه وآله ، أو شاهدوا موقفاً من مواقفه العظيمة ؟ أوَ ليس هذا شاهداً على صلاح سريرة الكثير منهم وطهارة نفوسهم ؟
نعم ، نحن نلتزم كثيراً في أنّ تلك الانطلاقة الإلهية كانت انطلاقة إرشادية تصحيحية لركام الأخطاء التأريخي في حركة الإنسان ، ولكنها تحرَّكت وأثرت دون أن تلغي نتاجنا المثمر ومعطياتنا البنائية الوفيرة ؛ وأخيراً تكفينا كلمة واحدة للرسول الأكرم صلى الله عليه وآله تختصر أمامنا الطريق في كون الإسلام قد جاء لينطلق بالإنسان من حيث انتهى إليه الإنسان لا من نقطة الصفر ، وهي قوله صلى الله عليه وآله :
( إنما بعثت لأُتمِّم مكارم الأخلاق )
. مستدرك الوسائل : ج 11 ، ص 187 ، ح 1 . والتتميم مسبوق بمعطيات جمَّة ، كما هو واضح . منه ( دام ظله ) . .