تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منطق فهم القرآن (الأسس المنهجية للتفسير والتأويل في ضوء آية الكرسي) — صفحة 277

مساهمون:

ص٢٧٧

قوله تعالى : لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ

حقيقة الإِكْراه في الدِّينِ

مرَّ بنا في البيانات الأوّلية للفقرة أنَّ المنفي هو مُطلق الإكراه الواقع في قبال التخيير ، فلا إلزام بمتعلّقه المتمثّل بالدين لغير المسلم - إيماناً وعملًا - بالمفردات العملية للشريعة ، وأنَّ من أسرار نفي الإكراه ومنعه : أنَّ تشريعه مُقيَّد بالعجز عن إيصال الحقائق والبيانات للمخاطب ، فنُكرهه حرصاً على إيصاله إلى الكمال المطلوب منه ، وفي صورة المكنة من إيصال الحقائق ، كما هو الحاصل عادة ، فلا معنى لإكراهه ، وستأتينا في البحث اللاحق نكات أُخرى تتعلَّق ببيان أهمّية الجانب القيمي في حياة الإنسان ، وكيف أنَّ الآية الكريمة تحرَّكت في هذا الاتجاه . وقد عرفت بأنَّ الإيمان حالة قلبية غير قابلة للإكراه عليها ، وفي صورة إنشائية جملة نفي الإكراه فإنها ترتّب حرمة شرعية على الإكراه ، بمعنى أنَّ الإكراه وإن لم يكن ممكناً إلا أنَّ ممارسته عمل مُحرَّم ، ولعلَّ السرَّ في التحريم هو لمواجهة ثقافة سائدة في تأريخ الإنسان ، قد مارسها طغاة سابقون وورثها اللاحقون ، ثقافة قائمة على إلغاء البعد القيمي للإنسان وجعله مجرّد رقم لتكثير السواد ، فجاءت الآية لردع هذا السلوك الاستضعافي ، ولحفظ حقّ الاختيار للإنسان . نعم ، للباري سبحانه إكراه الناس على الأمر التكويني ، فيُوجد الحالة الإيمانية ، كما له أن يُزيلها ، كما هو صريح قوله تعالى : وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لآمَنَ مَن فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ ( يونس : 99 ) ، ولكنه سبحانه لحكمته وعدله وفضله اقتضى ترجيح اختيار الإنسان لدينه على اضطراره لذلك تكويناً ، وللإنسان تحديد حركته الخارجية في ضوء اختياره ،