وتنفي وقوع التعب والنصب جرَّاء دوام الحفظ ، فإنها تتحدّث عن الكرسي ، لأنَّ الاحتمال الآخر لا سبيل إليه .
إذا اتّضح ذلك فإنَّ خصوصيات الحفظ الإلهي تجلَّت في كينونة الكرسي ، ومن خلال هذه الحقيقة التكوينية يُمكننا أن نُسجِّل ما يلي :
أوّلًا : تقدّم أنَّ الكرسي يمتدّ إلى عالم الغيب والملكوت ، وهذا الانتماء يعني أنَّ العصمة الكبرى حاضرة في الأداء التدبيري للكرسي .
ثانياً : إنَّ الكرسي مثّل تجليّاً حقيقياً لمرتبة رفيعة من علم الله تعالى ، فيكون الإشراف والأداء علمياً صرفاً ، بمعنى أنَّ الكمال الذي يتحرَّك في ضوئه كرسيُّه سبحانه هو العلم ، والانتماء إلى كرسيّه إنما يكون من خلال هذه الخاصّية الإلهية ، فيكون الحفظ بنحو لا يشوبه جهل البتّة .
ثالثاً : إنَّ الحفظ الحقيقي يتوقَّف على تحقّق إشراف حقيقي على المُشرَف عليه ، وإلا فاته من المُشرف عليه ما يلزم منه وقوع الفساد ؛ وقد انتفى هذا اللازم بصورة عملية بعد أن زُيِّن الكرسي بثوب السعة المطلقة ، فقال تعالى فيه : وَسِعَ كُرْسِيُّهُ ، وحيث إنَّ متعلَّق السعة السماوات والأرض بالمعاني المتقدّمة فإنَّه سوف يكون صادقاً عليه قوله تعالى : لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِن ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ ( سبأ : 3 ) ، فيكون مصداقاً للكتاب المُبين دون الانحصار به ، وتكون رعيته التي وسعها علماً حاضرة لديه ، وهذا ما يُسجِّل لنا مستوى عميقاً جداً من الحفظ الإلهي بواسطة كرسيّه سبحانه .
رابعاً : في ضوء معطيات النقطة السابقة ، وما تقدّم في المحورين الرابع والخامس ستتجلَّى أمامنا حقائق لها صلة وثيقة بالحفظ الإلهي ، وذلك من خلال تقديم قراءة جديدة لروايات تتحدّث عن اقتران الحفظ الكوني بوجود الخليفة الإلهي والإمام المنصوب من قبله ، وقد عقد الكليني في الكافي
منطق فهم القرآن (الأسس المنهجية للتفسير والتأويل في ضوء آية الكرسي) — صفحة 263
مساهمون: السيد كمال الحيدري
ص٢٦٣