دون أن يسوق قرائن على ذلك ، حيث اكتفى بنسبة ذلك للظاهر ، وحيث إنَّ المشهور خلاف ذلك فإننا سوف نقف عند القول الآخر الذي وافقه الطباطبائي ،
فهو القول الراجح عندنا ، ولكن ليس لنكتة الظاهر ، فذلك دليل المشهور أيضاً ، وإنما لوجود بعض القرائن السياقية اللفظية الدالّة عليه ، إضافة إلى البيانات الروائية التي تنمّ عن ذلك ، وهي كالتالي :
القرينة الأُولى : قوله : وَسِعَ ، الدالّ على الإحاطة بالسماوات والأرض ، وقد ذكرنا أنفاً بأنَّ هذه الإحاطة العلمية تتضمّن نكتة التدبير ، وعندئذ تكون مفردة الحفظ ونفي التعب عن الكرسي هي الأقرب ، بل لا مناص عن القبول بها ، إذ لا كلام في كونه تعالى لا يمسّه تعب أو لغوب .
القرينة الثانية : هي العمل بقاعدة العطف على القريب ، حيث يكون قوله : لَا يَؤُودُهُ معطوفاً على : وَسِعَ ، فهو الأقرب ، ومن الواضح بأنَّ فاعل : وَسِعَ هو كُرْسِيُّهُ ، فيكون المعطوف عليه كذلك ؛ وأما القرينة السياقية اللفظية : وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ فإنها ليست مُتعلِّقة بقوله : وَلَا يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا ، لِيُقال بعود الضمير على الله تعالى ، وإنما تعود القرينة على قوله : وَسِعَ كُرْسِيُّهُ ، فإنَّ العليّ مدح لتحقّق ما فيه السعة للسماوات والأرض .
القرينة الثالثة : قول الإمام الصادق عليه السلام لرجل سأله :
( كلّ شيء خلق الله في جوف الكرسي خلا عرشه . . . ثمّ خلق الكرسي فحشاه السماوات والأرض ) « 1 » ،
إذن فالكرسي وعاء للسماوات والأرض ، وعادة ما تكون وظيفة الوعاء حفظ المُودع فيه ، فيكون الحديث عن الحفظ وعن التعب والنصب واللغوب مُتعلّقاً بالكرسي ، فجاءت الآية لتنفي وقوع التعب وتُثبت دوام الحفظ .
القرينة الرابعة : إنَّ الله سبحانه وتعالى لمن آمن به لا تعتريه شبهة وقوع التعب والنصب منه ، فذلك سالب بانتفاء الموضوع ، ولذلك عندما تأتي الآية
هامش
( 1 ) الاحتجاج : ج 2 ، ص 100 . .