ثانياً : إنَّ الجهة التدبيرية للكرسي هي الملحوظة أوّلًا وبالذات ، وما
التصوير العلمي لذلك إلا طريق لتحقيق هذا الهدف الحقيقي من أصل جعل الكرسي .
ثالثاً : إنَّ المصداق الأوّل للكرسي هو وجود نوري مجرّد ، ثم انعكس وأشرق هذا الوجود النوري على صفحة الوجود ، فمن توفَّر على القدر المُتيقَّن من كمالاته العلمية والتدبيرية صار مظهراً له ، على حدِّ ما نُثبته من مظهرية الخلق للأسماء الإلهية ، فإذا كانت الأسماء الإلهية لها مظاهر وجودية - فهنالك يد لله تعالى ، وعين وسمع وأُذن ووجه ، وغير ذلك ممَّا له صلة وثيقة بمقامات النوافل والفرائض وجمع الجمع وأحدية الجمع « 1 » - فإنَّ ثبوتها للكرسي
هامش
( 1 ) هذه مقامات أربع : قُرب النوافل ، وقُرب الفرائض ، ومقام الجمع بينهما دون القدرة على التحكّم فيهما ، ومقام الجمع بينهما مع القُدرة على التحكّم فيهما .
أما قُرب النوافل ففيه يكون الله تعالى عين العبد وسمعه ولسانه ، وقد ورد فيه عن رسول الله صلّى الله عليه وآله عن الله تعالى :
( . . . وإنّه - أي العبد - ليتقرّب إليّ بالنافلة حتى أُحبّه ، فإذا أحببته كُنت سمعه الذي يسمع به ، وبصره الذي يُبصر به ، ولسانه الذي ينطق به ، ويده التي يبطش بها ، إن دعاني أجبته ، وإن سألني أعطيته )
. أصول الكافي : ج 2 ، ص 352 ، ح 7 . وفي هذا المقام يكون العبد قد أوجب النوافل على نفسه .
وأمّا قُرب الفرائض ، وهو أرفع من سابقه ، فإنّ العبد نفسه يكون عين الله تعالى وسمعه ولسانه ويده ، وقد ورد فيه خبر - لم نعثر على مصدره - عن رسول الله صلّى الله عليه وآله عن الله تعالى
: ( ما يزال عبدي يتقرّب إليّ بالفرائض حتّى أحبّه ، فإذا أحببته صار سمعي
و . . . ) ،
وقد ورد عن أمير
المؤمنين علي عليه السلام قوله : ( أنا علم الله ، وأنا قلب الله ، ولسانه الناطق ، وعين الله ، وجنب الله . . . ) .
توحيد الصدوق ، مصدر سابق : ص 164 ، ح 1 .
وأما مقام جمع الجمع ، فيجمع بين مقامي النوافل والفرائض ، فإن لم يكن قادراً على التحكّم فيهما فهو المقام الثالث ، وإن أمكنه التحكّم فيهما كيفما شاء ومتى شاء فذلك المقام الرابع والأخير وهو المُسمّى بأحدية الجمع ، والمُسمّى أيضاً بمقام « أو أدنى » ، وهو / / مقام رسول الله صلّى الله عليه وآله بالأصالة ، وعترته من أهل البيت عليهم السلام بالوراثة . والمقامات الثلاثة الأولى من الممكن الوصول إليها ، فهي مفتوحة لكلّ إنسان وإلى يوم القيامة . .