خلقه مظهراً لكمال كرسيه وآخر مظهراً لكمال عرشه ، كما أنَّ هنالك مظهراً لرحمته وقدرته ورضاه وغضبه ، وتارة يُنظر فيه السياقات التنظيمية لتدبير العالم ، كما هو ظاهر قوله تعالى : إِنَّ رَبَّكُمُ اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الأَمْرَ . . . ( يونس : 3 ) ، وبعد الاستواء والهيمنة العلمية على ما برأه من خلقه وقع التدبير المُتقن ، والبعدية ليست زمانية بقدر ما هي مراتبية وجودية ، و : ( التدبير هو الإتيان بالشيء عقيب الشيء ، ويُراد به ترتيب الأشياء المُتعدِّدة المختلفة ونظمها بوضع كلّ شيء في موضعه الخاصّ به ، بحيث يلحق بكلّ منها ما يُقصد به من الغرض والفائدة . . . فتدبير أمر العالم نظم أجزائه نظماً جيداً مُتقناً بحيث يتوجَّه به كلّ شيء إلى غايته المقصودة ) « 1 » .
ولا يخفى امتياز العرش على الكرسي برمزيته لأمر فوق مستوى التدبير ، وهو الملك ، فالعرش حامل لمعنى الملك وممثّل لمقام السلطنة ، وإن كان هذا المعنى لا يعدمه الكرسي ، إلا أنَّ العرش أكثر قرباً لذلك ، واقترانه بالملك والسلطنة يعني بالضرورة انتهاء جميع أزمَّة الأُمور إليه : ( ففي عالم الكون على اختلاف مراحله ، مرحلة تنتهي إليها جميع أزمَّة الحوادث المُلقاة على كواهل الأسباب ، وأزمَّة الأسباب على اختلاف أشخاصها وأنواعها وترتّب مراتبها وهو المُسمَّى عرشاً ، وفيه صور الأُمور الكونية المدبّرة بتدبير الله سبحانه كيفما شاء ، وعنده مفاتح الغيب ) « 2 » ، ومن هنا ذكروا بأنَّ الاستيلاء كناية عن استيلائه تعالى على ملكه وقيامه بتدبير الأمر بنحو ينبسط على كلّ ما دقَّ وجلّ .
وفي ضوء هذا التصوير العلمي والمظهري والتدبيري تشرق أمامنا حقيقة حملة العرش وأسباب تسبيحهم في قوله تعالى : الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ
هامش
( 1 ) بحوث عقائدية ( العرش والكرسي في القرآن الكريم ) ، آية الله الحيدري : ص 16 - 17 .
( 2 ) المصدر السابق : ص 15 . .