إنَّ سعة الكرسي العلمية للسماوات والأرض يُمكن إثباتها قرآنياً ، فقد تقدّم منّا في أكثر من مورد بأنَّ التعبير بالسماوات والأرض يُراد به عالم الإمكان بأسره ، فكلّ شيء دخل تحت مظلّة الإمكان والخلق فهو مندرج تحت مظلّة السماوات والأرض ، وقد قال تعالى : وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ ، وقال أيضاً : إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً ( طه : 98 ) ، فتكون المحصّلة أنَّ كرسيّه سبحانه قد وسع السماوات والأرض علماً ، والسعة تعبير آخر عن الإحاطة بجميع لوازمها تبعاً للبيانات السابقة .
وأمّا العلاقة العلمية بين العرش والكرسي فيُمكن استجلاؤها من كلمة الإمام الصادق عليه السلام الآنفة الذكر : ( ثمّ خلق العرش فجعله أكبر من الكرسي ) ، ومخلوقية العرش مُقرّرة قرآنياً ، كما قوله تعالى : قُلْ مَن رَّبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ ( المؤمنون : 86 ) .
ومن خلال فهمنا للاستواء على العرش بمعناه الراجح ، وهو الهيمنة العلمية المطلقة ، يتبيَّن لنا بأنَّ الكرسي مُحيط بالسماوات والأرض علماً ، وأنَّ العرش مُحيط بالكرسي علماً ، وأنَّ الله تعالى محيط بالجميع علماً ؛ إنها الإحاطة الكمالية الحقَّة ، فيكون المُحيط مُشرفاً بعلمه على المُحاط به ومُدبِّراً لأمره ، وهذا الإشراف الكمالي العلمي يُفسِّر لنا كلمة لرسول الله صلى الله عليه وآله يرويها أمير المؤمنين علي عليه السلام ، حيث يقول : ( إنَّ رسول الله صلى الله عليه وآله أخبرني قال
: أُعطيت آية الكرسي من كنزٍ تحت العرش ، ولم يؤتها نبيٌّ كان قبلي . . . ) « 1 » ،
والآية تعكس كمالها وتحكيه ، فهي في ظلّ إشراف كمال العرش ، كما أنَّ العرش في ظل إشراف كمال الله المطلق وعلمه .
إنَّ هذا الترتّب العلمي تارة يُنظر فيه التجلّيات الأسمائية ، فيكون بعض
هامش
( 1 ) بحار الأنوار : ج 83 ، ص 126 . .