وعلى أيِّ حال فإن لهذا الاتجاه أنصاراً كثيرين من القدماء والمعاصرين ، لاسيَّما أصحاب ما يُصطلح عليه الهرمنيوطيقا « 1 » ، الذين حاولوا إعطاء دلالات جديدة للألفاظ أسموها بالقراءات ، وقد بالغ بعض أنصارها بمحاولة تغييب مقاصد المتكلّم وإحداث معانٍ تبرعية لم تُؤخذ فيها مقاصد المتكلم ؛ وعلى أيّ حال فإنَّ الهرمنيوطيقا كانت وما تزال مثيرة للَّغط والجدل والخلاف في تحديد مداليل الألفاظ .
الاتجاه الخامس : وحدة المفهوم وتعدّد المصداق
وهو الاتجاه الذي حاول أن يجمع بين المداليل اللفظية للنصّ والاتجاه العقلي في التعاطي مع الحقائق التي تتوحَّد وتتفرَّد على مستوى المفهوم ، وتتكثّر على مستوى المصداق ، ضمن آفاق متعدّدة تدور بين الوجود المادّي والوجود المجرّد ؛ فالكرسي مثلًا لا ينطوي على مصداق واحد هو المصداق المادّي ، أو المصداق المجرَّد ، وإنما من الممكن له أن يتنوّع فيشملهما معاً .
ولهذا الاتجاه خلفيات تأريخية وممارسات علمية سابقة تمتدّ إلى الإمام الغزالي ، ثم اكتسب عُمقاً تنظيرياً مع عَلَمين ، هما صدر الدين الشيرازي في مفاتيحه ، والملا فيض الكاشاني في تفسيره الصافي ، حتى وصلت إلى الطباطبائي ، الذي اعتمد هذا الاتجاه في تكوين منهجه التفسيري ، وتعاطى معه على نطاق واسع شمل عدداً كبيراً من الحقائق القرآنية والدينية .
المحور الثاني : صلة الكرسي بالعرش والعلم والتدبير
من مجموع المعطيات السابقة في موضوعة الكرسي يترشَّح لنا بأنَّ الكرسي مرتبة من مراتب علمه سبحانه ، وأنَّ هذه المرتبة لها أُفق تدبيري وسيع جداً
هامش
( 1 ) مرَّ بيان هذا الاصطلاح في الفصل الأول من الباب الأول من الكتاب ، فراجع . .