الاتجاه الثالث : الهيئة والأفلاك
اعتمد هذا الاتجاه على علم الهيئة البطليموسي القائم على نظرية الأفلاك التسعة ، ففسّروا العرش بالفلك التاسع المحيط بالعالم الجسماني ، والكرسي بالفلك الثامن الذي فيه الثوابت ، وفي جوفها الأفلاك الكلّية السبعة ، وهو اتجاه يتعارض مع ظواهر القرآن من جهة ، ومع الأبحاث الأخيرة في الهيئة والطبيعيات المؤيّدة بالحسِّ والتجربة التي أبطلت هذه الفرضيات القديمة ؛ ممَّا اضطر هؤلاء إلى التنصّل عن تطبيقاتها ورفع اليد عنها - من جهة أُخرى ؛ ولا يخفى ما للأفلاك البطليموسية من آثار سلبية تركتها على المنظومة الفكرية للكثير من أرباب العلم الذين لم يخرجوا بعد من أسرها ونتائجها .
الاتجاه الرابع : الكناية والمجاز ( الرمزية )
إنَّ هذا الاتجاه وإن اعتمد المبالغة في التنزيه إلا أنه أفضل الاتجاهات الآنفة ، حيث أنكر وجود مصاديق أو حقائق خارجية للعرش والكرسي والألواح والقلم ، وما شابه ذلك ، واعتبر أنَّ ما جاء في النصوص لا يعدو عن الاستعمال الكنائي والمجازي . فالاستواء والعرش والكرسي تعابير مختلفة والمراد واحد ، وهو الإشارة إلى قدرته واستيلائه على عالم الخلق ، والشروع في تدبيره ، فليس هنالك إلا الله تعالى وخلقه ، وهذه العناوين ليست موجودات خارجية .
إنَّ هذا الاتجاه وإن لم يكن تعطيلياً ، إلا أنه يُوافقه بالنتيجة ، فأُولئك قالوا بوجودها حقيقة ولكنهم منعوا من تفسيرها ، وهؤلاء نفوا وجودها ابتداءً ، ولا فرق كثير بين إلغاء أصل الشيء وبين إلغاء تفسيره ؛ وهو اتجاه يصبّ في تفريغ النصّ الديني من دلالاته على وجود حقائق واقعية ومصاديق خارجية وراء ألفاظها ، مُكتفياً بالمجال الكنائي والاعتباري لها .