الاتجاه الأوّل : المعطِّلة
وهو الاتجاه المُناهض للعقل والنقل الآمرَين بالبحث والتدبّر في كلمات
الله تعالى ، بدعوى البدعية في السؤال عن ذلك ، فقد اعتبر أصحاب هذا الاتجاه السلبي أن البحث في هذه المفاهيم الدينية بدعة ، والسؤال عنها حرام شرعاً ، بل ويُحاسَب عليه ، وهو اتجاه له خلفية تأريخية تمتدّ إلى الصدر الأوّل من الإسلام ، حتى اشتُهر ذلك فيما بعد عن الإمام مالك ورووه عنه ، فقد سُئل : ( عن معنى قوله تعالى : الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى ، فعرق وأطرق وصار ينكت بعوده في يده ، ثمَّ رفع رأسه وقال : الكيف منه غير معقول ، والاستواء منه غير مجهول ، والإيمان به واجب ، والسؤال عنه بدعة ، وأظنّك صاحب بدعة ؛ وأمر بالسائل فأُخرج . . . ) « 1 » ، وفي رواية أُخرى أنه قال : إنَّ من عاد إلى هذا السؤال عنه أضرب عنقه ، وقد سئل الأوزاعي عن ذلك فأجاب بتكرار نصّ الآية ثمَّ اتَّهم السائل بالضلالة « 2 » .
إنه اتجاه يُواجه الجهل بالشيء بإلصاق الباحث والسائل بتهمة الضلالة واقتفاء البدع ، وكم كان الأحرى بهم الرجوع إلى أهل الذكر ممَّن أمر الله تعالى ورسوله بالتمسّك بهم ، أو السكوت والكفّ عن تحجيم حركة الفكر ، وممَّا يُؤسف له أنَّ هذا الاتجاه الضارب في التأريخ الإسلامي كان يمثّله السواد الأعظم من سلف الأُمة ، وهنا يسجِّل لنا الطباطبائي هذه الحقيقة المؤلمة والمرعبة أيضاً ، حيث يقول : ( للناس في معنى العرش بل في معنى قوله : ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ ، والآيات التي في هذا المساق مسالك مختلفة ، فأكثر السلف على أنها وما يشاكلها من الآيات من المتشابهات التي يجب أن يرجع
هامش
( 1 ) المدوّنة الكبرى ، للإمام مالك : ج 6 ، ص 465 . والآية : طه : 5 .
( 2 ) البرهان في علوم القرآن ، للزركشي : ج 2 ، ص 78 . .