أمراً تكوينياً لهم ، ومشيئتهم اللاحقة تمثّل طاعة لذلك الأمر ، وخشية منه سبحانه ، قال تعالى : يَخَافُونَ رَبَّهُم مِّن فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ ( النحل : 50 ) ،
فدأبهم الطاعة وشأنهم المتابعة ، وذلك هو منتهى كمالهم ، قال تعالى : . . . لا يَعْصُونَ اللهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ ( التحريم : 6 ) ، فمشيئتهم طولية مطابقية ، وهنا تكمن نكتة العلم فيما يشاؤون وفيما نشاؤه ، ولذلك فمشيئتهم لشيء لا يقبل مُتعلّقها التخلّف أبداً ، بخلاف مشيئتنا فكثيراً ما يتخلَّف متعلَّقها ، إما لعدم مكنتنا أو لعدم مشيئة الله تعالى .
الجهة الثانية : إننا في تحقيق ما نشاؤه نحتاج إلى مقدّمات كثيرة ، وكثيراً ما تنعقد مشيئتنا قبل توفّر مقدّمات الفعل ، جهلًا منا أو لسوء تقدير ، في حين إنَّ مشيئة المجرّدات مقرونة بمقدّماتها ، فإن شاؤوا فذلك دليل توفّر جميع مقدَّمات إيجاد الفعل ، وإلا فلا ؛ وهذا الامتياز مردّه إلى طبيعة العلم المختلفة بين ما نتوفّر عليه وما يتوفَّرون عليه ، وبتبع ذلك تكون مساحات الإحاطة ، فالفعل الذي نشاء إيجاده وإن كان مقروناً بوجود تمام مقدّماته وبمطابقته للمشيئة الإلهية ، إلا أنَّ ذلك غير كافٍ أيضاً ، فلا بدَّ من وجود إحاطة علمية بتفاصيل الفعل الذي نحن بصدد إيجاده ، فإن توفَّرت اكتملت أسباب إيجاد الفعل ، في حين إنَّ هذا الأمر مُتصوَّر في الموجودات المجرّدة بنحو من التحليل العقلي ليس إلا ، لا بنحو الواقع الخارجي ، فإنَّ المجرّدات في مشيئتها وفعلها مقرونة بالإحاطة العلمية ، لِما عرفت بأنَّها لا تنعقد مشيئة لها إلا وتحقّق متعلّقها ، وهذا كاشف إنِّي عن تحقّق المقدّمات والعلم والإحاطة ، وعليه فالفاصلة كبيرة جداً بين أصل انعقاد المشيئة عندنا وتحقّق متعلّقها وبين ما عند المجرّد مشيئة ومتعلَّقاً .
إذا اتّضح ذلك فاعلم بأنَّ الفاصلة بين مشيئة المجرّد وتحقّق متعلّقه وبين مشيئة الله تعالى وتحقّق متعلّقه ، هي عين الفاصلة بين المتناهي واللامتناهي ،
منطق فهم القرآن (الأسس المنهجية للتفسير والتأويل في ضوء آية الكرسي) — صفحة 245
مساهمون: السيد كمال الحيدري
ص٢٤٥