تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منطق فهم القرآن (الأسس المنهجية للتفسير والتأويل في ضوء آية الكرسي) — صفحة 246

مساهمون:

ص٢٤٦
والفاصلة هي عدم التناهي نفسه ، فضلًا عن الفاصلة بيننا وبينه سبحانه ؛ ولا ينبغي توهّم التخلّف والانطباق بين مشيئة المجرّد وبين مشيئة الله تعالى ، لِما عرفت من عدم التخلّف في تحقّق المراد البتّة ، وإنما الفاصلة تكمن في العلم والإحاطة وتوفّر المقدّمات ، فإنَّ الله سبحانه إطلاقي في علمه وإحاطته ، هذا من جهة ، ومن جهة أُخرى إنَّ الله تعالى لا يُعجزه شيء ، وبعبارة أُخرى لا يُوقفه نظام الأسباب والمسبّبات عن تحقّق مراده ، وإلا أُلغي نظام المعجزات الحاكم على نظام الأسباب ؛ قال سبحانه : . . . وَمَا كَانَ اللهُ لِيُعْجِزَهُ مِن شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيماً قَدِيراً ( فاطر : 44 ) ؛ ومن هنا تفهم سرَّ الحكم بكفرية اليأس من روح الله تعالى ، فإنَّ ذلك اليأس تقييد لإرادة الله تعالى وقدرته ، وإعجاز لمشيئته ؛ قال تعالى : . . . وَلَا تَيْأَسُواْ مِن رَّوْحِ اللهِ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ ( يوسف : 87 ) ، ومن الواضح بأنَّ الإمكان وعدمه ساحته المُمكن ، وأما ساحة الوجوب فمشرعة أبداً ، فلا يحكمها أو يُوقفها شيء البتّة غير نفس انعقاد مشيئته سبحانه ، فإن انعقدت تحقَّق المراد بالنحو الذي سجَّله لنا القرآن الكريم : إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ ( النحل : 40 ) ، له الأمر من قبلُ ومن بعدُ ، فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ( يس : 83 ) .

قوله تعالى : وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ

جدلية العلاقة بين علمه تعالى وكرسيه ( ومعاني السعة )

كنّا قد وعدنا بتسليط الضوء في موضوعة الكرسي على نكات المجازية في التعبير ، وتحقيق مسألة المصداق الخارجي من عدمه للكرسي والعرش معاً ، ثم بيان صلة العرش بالمرتبة الوجودية الإمكانية التي تنشأ منها التدابير العامّة ؛ وقد حان موعد الوفاء بذلك ، حيث سنُقسِّم هذه البيانات الجديدة على محاور