من آية الكرسي ، وبعد التأمّل والتدقيق وجدنا أنَّ من تلك الوسائط التي شاء الله تعالى لها أن
تُحيط بشيء من علمه : كرسيّه سبحانه ، وكأنَّ الآية تُطلق عنوان الإشاءة وتُنبئ عن حصول المُستثنى ، ثمَّ تمثّل له بالكرسي ، وقد شرعت بمصداق بارز له من الإحاطة العلمية الكبرى حيث شملت السماوات والأرض ، فلا أحد يُحيط بشيء من علمه إلا لمن شملته المشيئة الإلهية والإذن الإلهي ، فكان الكرسيّ مصداقاً بارزاً لمن شملته المشيئة وحصل له الإذن بذلك ، فكان وسيطاً علمياً تكوينياً مُنح وظيفة الإشراف الكوني العلمي على الوجود الإمكاني المُشار إليه بالسماوات والأرض .
إنَّ هذه النتيجة التفسيرية التي لم يلتفت إليها أعلام المُفسِّرين ، فضلًا عن مُتعلّميهم ، تقودنا إلى نتائج مهمّة جداً ، منها تحقيق إطلاقية علمه تعالى ، فإنَّ فقرة البحث والسابقة عليها تُؤكد إمكان الإحاطة بشيء من علمه ، بدليل الاستثناء وما تحقَّق للكرسيّ ، وحيث إنَّ الكرسي حصلت له إحاطة بالسماوات والأرض ، أي بعالم الإمكان ، وهذه الإحاطة العلمية مصداق حقيقي للإحاطة بشيء من علمه ، فإنه يتعيَّن الالتزام بإطلاقية علمه ، وبعبارة أُخرى تعجّبية : إذا كانت الإحاطة الجزئية بهذا المستوى من الإحاطة فكيف بما عليه العرش ، والكرسيّ بالنسبة له كالحلقة المُلقاة في الفلاة الخالية ، كما جاء في الحديث « 1 » ، وكيف بما عليه علمه المطلق سبحانه ؟ ! ! .
ومنها ما عليه المولى جلَّ شأنه من فيض مطلق وكرم وجود وسخاء ، فكان المُستثنى من المنع بهذه المرتبة من الإحاطة العلمية التي تشرئبّ وتتطاول
هامش
( 1 ) سأل أبو ذرّ الغفاري رسول الله صلّى الله عليه وآله : ما أفضل ما أُنزل عليك ؟ . قال صلّى الله عليه وآله : ( آية الكرسي ، ما السماوات السبع والأرضون السبع في الكرسي إلّا كحلقة ملقاة بأرض فلاة ، ثمّ وإنّ فضل العرش على الكرسي كفضل الفلاة على الحلقة ) . البرهان في تفسير القرآن ، للبحراني : ج 1 ، ص 534 ، ح 17 . .