تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منطق فهم القرآن (الأسس المنهجية للتفسير والتأويل في ضوء آية الكرسي) — صفحة 244

مساهمون:

ص٢٤٤
لها الأعناق ، وكأنَّه أراد من خلال هذه الإشراقة المُعلنة شدّ الخلق معنوياً باتجاه العلم الإلهي من جهة ، وباتجاه المنحة والعطاء من جهة أُخرى ، وهاتان الخصلتان لم ينفكّ عنهما أولياء الله تعالى في كلّ عصر ومصر .

معنى الإشاءة الإلهية

بعد أن تبيَّنت لنا حقائق مهمّة في موضوعة الإحاطة العلمية ونموذجها القرآني البارز ، نحتاج إلى وقفة تأملية في معنى الإشاءة الإلهية ، ومدى صلتها بالعلم وموضوعة الإحاطة ، فإنَّ لهذه المفردات الثلاث ( الإشاءة ، العلم ، الإحاطة ) صلة وثيقة بحسب العرض القرآني ، وبحدود فقرات البحث . إنَّ المشيئة ركن أساسي في قيام الأشياء وزوالها ، فإن شاء الفاعل القادر إيجاد شيء تحرَّك باتجاهه وعمل على إيجاده ، فيكون إيجاده تحقيقاً لمشيئة الفاعل ، وإن لم يشأ إيجاده لم يتحرَّك باتجاهه ؛ وهذه الإشاءة طولية مسبوقة بالإشاءة الإلهية ، بمعنى القدرة على الفعل أو الترك ، فليس لمن شاء شيئاً وقدر عليه أن يفعله إلا بعد موافقته لمشيئة الله تعالى ، وبعبارة أُخرى : إنها مشيئة اختيارية من جهة الفاعل الممكن ، ومشروطة من قبل الخالق سبحانه ، فلا يتأتَّى لأحد فعل شيء بنحو الاستقلال التامّ البتّة ، وهو قوله تعالى : وَمَا تَشَاؤُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللهُ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً ( الإنسان : 30 ) ، هذا فيما يتعلَّق بمشيئة الموجودات الإمكانية المادّية ، وأما الموجودات المجرّدة في نفسها فإن تحقَّقت لها مشيئة ، وهي طولية أيضاً ، بل طوليتها آكد ، فمشيئتها تختلف من جهتين أساسيتين ، هما : الجهة الأُولى : إنَّ مشيئتها وإن كانت طولية إلا أنها لا تنعقد لديهم مشيئة إلا بعد أخذ الإذن منه تعالى بذلك ، بمعنى أنهم يُعرَّفون بمشيئة الله تعالى بأمر ما فتنعقد لديهم المشيئة بما يُوافق ذلك ، وكأنَّ مشيئة الله سبحانه السابقة تمثّل