جزئية فإنها ليست على مرتبة واحدة ، ومن هنا تتبلور أمامنا حقيقة قرآنية ، وهي
مراتبية المقامات العلمية والمعنوية أيضاً ، بتبع تلك الإحاطة والإذن والوسائطية ، قال تعالى : وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ ( الصافات : 164 ) ، فالإحاطة العلمية بحدودها مقام محدود ومعلوم ، وهو نتاج فعلي لفيضه سبحانه ، بمعنى أنه المقام الموهوب منه سبحانه لمن ارتضاه من عباده ، وهذا ما ينسجم تماماً مع أصل الدعوى في فقرتي البحث من كون الإحاطة شيئية وليست مطلقة من جهة ، ومن جهة أُخرى يتطابق هذا المعنى تماماً مع قوله تعالى : وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا عِندَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ ( الحجر : 21 ) ، والقدر المُعلوم المُنزَّل من قبله سبحانه شمل موضوعة الإحاطة العلمية والإذن بالوسائطية ، بل ذلك من أبرز مصاديق القدر المعلوم ، والقدر المعلوم يُنبئ عن المحدودية في الوجود والعلم والإحاطة لِما عداه من الموجودات الإمكانية ، فإنها ليست : ( وجودات غير متناهية الكمال غير محدودة ولا مقدَّرة وإلا لم يصحّ الاستثناء من الإحاطة في قوله تعالى : وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاء ، فلا محالة هو مقام يمكن لهم الإحاطة ببعض ما فيه ، فهو مرحلة العلم بالمحدودات والمقدّرات من حيث هي محدودة مقدّرة ) « 1 » .
المُستثنى الأول من منع الإحاطة العلمية
إنَّ فقرة البحث بمعيّة السابقتين عليها تُسجِّل لنا استثناءً من المنع من الإحاطة العلمية ، والذي أسمتهم بالشفعاء ، مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ ، والذين أسميناهم بالوسائط المأذون لهم بالإذن التكويني ، ولكنَّ هذه الفقرات الثلاث لم تُصرِّح لنا بنموذج حقيقي للوسيط التكويني ، الذي شملته خاصّية الإحاطة العلمية ، وهذا ما يدعونا للتأمّل مليّاً في أصل المقطع الأوّل
هامش
( 1 ) الميزان في تفسير القرآن : ج 2 ، ص 340 . .