تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منطق فهم القرآن (الأسس المنهجية للتفسير والتأويل في ضوء آية الكرسي) — صفحة 240

مساهمون:

ص٢٤٠
تظهر بالقياس إلينا ، وأما بالنسبة لله تعالى فلا معنى للغيب عنده ، فالكلّ شهادة وحضور بما لا يُتصوّر معه خفاء أو غياب أو نسيان ، أي : بالنحو الذي حكاه عنه قوله تعالى : وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّاً ( مريم : 64 ) .

سر عقلانية ضمير الجماعة

لقد ورد في فقرة البحث : يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ ، ضمير الجمع المذكر السالم ، مع أننا نعلم بشمولية الشفاعة للأسباب الطبيعية ، كالماء والهواء والنار والمطر ، وغيرها ، وهي موجودات غير عاقلة ، فكيف يتسنَّى التعبير عنها بضمير العقلاء ؟ وجوابه : إنَّ هذه الإشكالية لها سابقة معاكسة في فقرة سابقة ، وهي قوله : لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ ، حيث عبَّر عن الموجودات بالاسم الموصول : ما ، وهو دالّ على غير العاقل ، مع أنَّ الفقرة شاملة للعاقل أيضاً ، بل العاقل منها هو القدر المُتيقَّن منها ، والجواب عنهما واحد ، وهو إما اللجوء إلى مقولة الغلبة ، وإما القول بأنَّ الموجودات إذا ما لُوحظت في حدّ أنفسها فهي عاقلة جميعاً ، يُطلب منها الإقرار بالربوبية ولزوم الطاعة والمتابعة ، كما في قوله تعالى : ثمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ ( فصّلت : 11 ) ، وقوله : وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُم مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ ثمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ ( الأنعام : 38 ) « 1 » ، فضلًا عن كون الخلق بأسره مُسبِّحاً تكوينياً لله
هامش
( 1 ) ( اعلم أنه لا ينحصر التكليف بالإنسان فحسب ، وإنّما يعمّ كلّ الخلائق ، كما في هذه الآية : إلَّا أمَمٌ أمْثَالُكُمْ ، فكلّ نوع من الدوابّ - وبلا استثناء - هو امّة حالها حال أمّة الإنسان ، وحيث إنّ الله تعالى لم يترك أمّة بلا نذير : وَإنْ مِنْ امَّةٍ إلَّا خَلا فِيهَا نَذِيرٌ / / فاطر : 24 ، فإنّه يثبت لدينا وجود التكليف لجميع تلك الأُمم ، فما لم يكن هنالك تكليف فإنّه لا معنى لإرسال النذير ، ولكن التكليف بطبيعته ليس بدرجة واحدة وإنما كلّ نوع وخلق له تكليفه الخاصّ به ، وفي ضوء هذه التكاليف يُمكنك فهم شطر مهمّ من الولاية التكوينية المُلزمة للغير بالطاعة والمُتابعة ، وهنالك من الشواهد الكثيرة جداً على إعمال تلك السلطة التكوينية من قبل أصحابها ، من قبيل ما كان لنبي الله عيسى عليه السلام ، والمُثبَّت قرآنياً ، وما يُروى عن رسول الله صلى الله عليه وآله في مسألة شقّ القمر ، وما شابه ذلك ) . منه ( دام ظله ) . .