فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاء وَلَا أَصْغَرَ مِن ذَلِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ ( يونس : 61 ) ، حيث تُبيِّن لنا جملة متعلّقات لعلمه الإحاطي . فقوله : وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ يُشير إلى ما نستبطنه من أُمور نفسية وقلبية ، وما نُعلنه من أُمور ظاهرية ، وهذا من الأُمور الدقيقة للإحاطة العلمية الإلهية بذلك ، وأما قوله : وَلَا أَصْغَرَ مِن ذَلِكَ وَلا أَكْبَرَ ، أي : بالمقايسة للذرّة ، فهو تعبير واقعي ولم يُؤتَ به لغرض المبالغة ، فإنَّ من الأحياء المجهرية الفاعلة في الوجود ما عجز الأوّلون عن تصوّرها ، وتثبَّت منها اللاحقون ، فأعطت للنصّ بُعداً عملياً تطبيقياً أكثر دقّة مما كان عليه الأمر سابقاً ، حيث كان البعض يُمثّل لمثقال الذرّة بالذبابة ، ظنّاً منه بأنها أصغر شيء حيّ مرئي ، ثم يُوجد مقايسة لما دونها وفوقها .
وفي الآية إشارة إلى أنَّ الذرّة قابلة للانقسام ، حيث كان السائد في البحوث العلمية الطبيعية توقف المادّة عند الذرّة ، حيث لم يعرفوا شيئاً أصغر وزناً منها ، ثم انتهوا إلى إمكان انشطار الذرّة ، فكانت للقرآن سابقة علمية من خلال التعبير بالإحاطة بما هو أصغر منها ، والتي تُسجِّل أصغر طرف في متعلّقات علمه تعالى .
وعلى أيّ حال ، فإنَّ المراد من الإحاطة لما بين الأيدي وما خلف ذلك - كما هو حال لسان فقرة البحث - هو أنَّ كلّ ما هو مشهود لنا مشهود له سبحانه ، وكلّ ما هو موجود وغائب عنَّا حاضر لديه ، وشهوده للمشهود لنا أشدّ ؛ لنكتة الإحاطة به ، وحضور الغائب عنَّا لديه تعميق لشدّة الشهود .
وبعبارة أوجز : إنَّ كلّ أمر يخرج عن دائرة شهوده عدم محض ، وكلّ شيء شمَّ رائحة الوجود حاضر لديه ؛ فيكون علمه الإحاطي لما بين أيدينا وما خلفنا بقوّة قوله تعالى : عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ المُتَعَالِ ( الرعد : 9 ) .
جدير بالذكر أنَّ الغيب والشهادة وما بينهما هي من المفاهيم النسبية التي
منطق فهم القرآن (الأسس المنهجية للتفسير والتأويل في ضوء آية الكرسي) — صفحة 239
مساهمون: السيد كمال الحيدري
ص٢٣٩