وكلا النزولين قد تحقَّقا بعلمه تعالى لا بعلم منه فحسب « 1 » ، وقد أُشير
لذلك في قوله تعالى : لَّكِنِ اللهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنزَلَ إِلَيْكَ أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالمَلآئِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللهِ شَهِيداً ( النساء : 166 ) ؛ وعليه فالقرآن بصورتيه النزولية مصداق لتجلِّي تلك المعاني العُلوية المُعبَّر عنها قرآنياً بالخزائن ، فلو كان نزوله على نحو التجافي لخلت خزائنه العُلوية منه .
ثمَّ إنَّ هذا العلم الخزائني - وهو تكويني لذات علمه سبحانه - تابع لإطلاقية علمه ، فلا ينفد البتّة ولا يتغيّر : مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللهِ بَاقٍ ( النحل : 96 ) ، ومن الواضح بأنَّ الجمع بين كون الشيء نازلًا من عنده وبين كونه باقياً عنده لا يتمُّ إلّا في ضوء النزول على نحو التجلّي ؛ فالآية الكريمة تُثبت نزولًا لما هو باقٍ عنده ولا ينفد ، وهكذا الحال في قوله تعالى : إنّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْر ( القدر : 1 ) وقوله : مَا نُنَزِّلُ المَلائِكَةَ إلَّا بِالحَقِّ ( الحجر : 8 ) ، فإنّ نزول القرآن والملائكة ، بل جميع الموجودات المجرّدة عن المادّة ، إنّما هو على نحو التجلّي لا التجافي ، وقد عرفت الفرق بينهما .
إذا اتّضح ذلك فاعلم أنّ النزول من العوالم العلوية إلى العالم السُفلي إنّما هو على نحو التجلّي لا التجافي ، ولذا فكلّ واحد منّا له وجود وظهور في تلك العوالم العلوية والنشآت السابقة على عالم المادّة ، وقد عرفت مُؤدَّى آية الخزائن ، وكفى بها شاهداً ودليلًا في طول الأدلّة العقلية القائمة على ذلك ؛ فعالم المادّة قبل وجوده وظهوره هذا لم يكن عدماً محضاً ، وإنّما كانت له نشآت وظهورات أُخرى تُناسب أنظمة العوالم السابقة وجوداً وظهوراً ، وهذا هو
هامش
( 1 ) أي : علّة وطريق نزوله علمه تعالى ، لا أنه نزل وهو يعلم بذلك فحسب ، فذلك مفروغ منه ، وكيف لا هو القائل : . . . عَالِمِ الْغَيْبِ لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِن ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ . سبأ : 3 . .