قوله تعالى : يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ . . .
معنى العلم الإلهي وتصويرات الإحاطة منه وبه
العلم بديهي في مفهومه جليٌّ في مصاديقه ، إنما الكلام في خواصّه وآثاره ، بحسب ما يُقرّره الحكماء ، ولذا نجد الطباطبائي يُقرّر ذلك بقوله : ( وجود العلم ضروري عندنا بالوجدان ، وكذلك مفهومه بديهي لنا ، وإنما نريد بالبحث . . . الحصول على أخصّ خواصّه ) « 1 » ، ثم إن المعلوم تارة يحضر لدينا بماهيته بعينه لا بوجوده الخارجي الذي تترتّب عليه الآثار الخارجية ، فيُسمَّى العلم به علماً حصولياً ، كما هو الحال في غالب علومنا ، حتى الشرعية منها فضلًا عن الطبيعية والحكمية ؛ ومنها ما نتوفَّر عليه في علم التفسير ؛ وتارة يحضر المعلوم بعينه الخارجية لا بماهيته ، فيُسمَّى العلم به علماً حضورياً ، من قبيل علمنا بأنفسنا ، فهي حاضرة لدينا بنفسها لا بصورتها ؛ فالصورة العلمية أو المعلوم الصوري نظراً لتجرّده فهو أقوى وجوداً من المعلوم المادّي الذي يقع عليه الحسّ « 2 » ، وأما إذا كان المعلوم مجرّداً فالأمر يختلف جملة وتفصيلًا ، كما هو الحال بالنسبة للموجودات الحقيقية غير المادّية ، من قبيل الله سبحانه والملائكة ، وما يدخل في هذا الميدان الحقائقي .
ولا ريب بأنَّ علم الله تعالى بما سواه حضوري محضاً ، فضلًا عن علمه بذاته المقدّسة « 3 » ، وهو علم بالموجود قبل إيجاده ، فلما برأ الأشياء وصارت
هامش
( 1 ) نهاية الحكمة : ص 293 ، المرحلة الحادية عشرة ، الفصل الأول .
( 2 ) المصدر السابق : ص 293 - 294 .
( 3 ) أورد البعض شبهة في مسألة علم الله تعالى بذاته ، انطلاقاً من قاعدة أنَّ العالم غير المعلوم ، فيكون افتراض علمه بذاته مستلزماً للقول بالاثنينية ، وهو باطل لأنه واحد ، فينتفي أن يكون عالماً بذاته ، ومنشأ الشبهة خلطهم بين المفهوم والمصداق ، فالاثنينية لازمة للمغايرة / / بين مفهوم العالم ومفهوم المعلوم ، وأما إذا نظرنا للمفهوم مندكّاً في مصداقه فلا اثنينية في المقام ، فالعالم والمعلوم يمكنهما الاتحاد في مصداق واحد ، وهو الله تعالى ، فهو عالم بنفسه وهو معلوم لنفسه ، فلا اثنينية في المقام ، فالتغاير اعتباري من حيث المفهوم والاعتبار الذهني ، وأما مصداقاً فأحدهما عين الآخر ، ويمكن للقارئ مراجعة التفاصيل في كتابنا : التوحيد : ج 1 ، ص 197 - 203 . منه ( دام ظله ) . .