عن تحريك الشفعاء لجلب النفع لهم ودفع الضرر عنهم أُخروياً ، ومكمن عجزهم يُغلق دائرة الالتفات إليهم من قبل الشفعاء ، ونعني بذلك تحديداً الشفاعة الخاصَّة ، وأما الشفاعة العامّة التي لا تُطلب لشخص بعينه فأمرها مُختلف تماماً .
ولعلّنا نُوفق لبيان بعض أسرار الشفاعة ، لاسيَّما الشفاعة المنظورة للرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وأهل بيته عليهم السلام باعتبارها تمثّل انعكاساً عملياً لكمال التجلّي الأعظم ، ممَّا يعني أنَّ حدود الشفاعة تُحدّدها المستويات الكمالية للشفعاء لا المشفوع لهم ، وليس هنالك مرتبة تفوق ما عليه التجلّي الأعظم للإنسان الكامل المتمثّل بالرسول الأكرم صلى الله عليه وآله ، وهذا ما يمنحه استثناء خاصّاً ، بحيث تشمل شفاعته اقتضاءً الخلق بأسره ، فيكون الكلّ بأسره طامعاً بشفاعته العهدية المرضية الحقَّة ، ابتداءً من الأنبياء والمرسلين وانتهاءً بالعصاة والمذنبين ، وأما شرائح الكفّار والمشركين ، فإنهم محجوبون بقوله تعالى : إِنَّ اللهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ . . . ( النساء : 48 ) ، وبتبعهم المنافقون ، في قوله تعالى : إِنَّ المُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَن تَجِدَ لَهُمْ نَصِيراً ( النساء : 145 ) ، ومن هنا تفهم سرّاً لمعنى قوله تعالى : وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ ( الأنبياء : 107 ) ، النازل في حقّه صلى الله عليه وآله .
فائدة : إنَّ تقوّم الشفاعة بالوساطة لا ينفيها المولى عنه جلّ ذكره ، لاسيَّما بعد أن أمكن تصوّر توسّط بعض الأسماء التكوينية ، كتوسّط اسم الغفور بين العبد المذنب وبين المنتقم ، فيخرجه عن مصداق أثر المنتقم إلى مصداق أثر الغفور ، وهذه الحكومة الأسمائية هي المُؤهِّل الحقيقي لانتقال الوساطة إلى الخلق ، باعتبارهم مظهراً وتجلِّياً لتلك الأسماء ، وبتبع المظهرية وحدودها تكون حركة الشفيع باتجاه المشفوع لهم .
منطق فهم القرآن (الأسس المنهجية للتفسير والتأويل في ضوء آية الكرسي) — صفحة 224
مساهمون: السيد كمال الحيدري
ص٢٢٤