، ونفيها عن غيره مطلقاً ، نجده يُؤسِّس لنمط آخر من الشفاعة الغيرية ، وهي الشفاعة العهدية المرضية المأذون لها والمقرونة بالحقّ .
وقد أثبت لنا القرآن هذه الحقيقة في أكثر من مورد .
أمّا الشفاعة العهدية فكما في قوله تعالى : لَا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِندَ الرَّحْمَنِ عَهْداً ( مريم : 87 ) .
وأما المرضية فكما في : . . . وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى . . . ( الأنبياء : 28 ) .
وأما الحقِّية فكما في : وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَن شَهِدَ بِالحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ( الزخرف : 86 )
وأما الإذنية فلها شواهد قرآنية كثيرة ، منها فقرة بحثنا : مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ ، والتي اجتمعت مع الشفاعة المرضية كشرط لها ، كما في : يَوْمَئِذٍ لَّا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا ( طه : 109 ) .
والذي يترشَّح لدينا أنَّ هذه الشفاعة - المأذون بها والمرضية والعهدية والحقّية - لازمها أمران :
الأوّل : أنَّ الشفعاء لا يشفعون إلا لمن علموا أنه أهل للتشفّع له ، أي له أهلية الاستجابة وقبول الأثر التكويني الذي تُخلّفه الشفاعة .
والثاني : تحقّق الاستجابة ، وإلا تكون مقتضيات الإذن والرضى والعهد والحقِّية أقرب لمقولة اللغوية ، وهذا لا يعني فرض الاستجابة بقدر ما هي لازم لنفس الإذن .
جدير بالذكر أنَّ الشفعاء المأذون لهم والمرضيّ قولهم إنما يشفعون في صورة انعقاد الإذن لهم ، ومضافاً إلى ذلك فإنهم لا يشفعون لأيّ أحد ، بمعنى أنَّهم إنما تنحصر شفاعتهم بشريحة دون أُخرى لا لإقبالهم وإعراضهم ، وإنما إتباعاً لحيثية الانعقاد ؛ وهذا الأمر من الأسرار العميقة في موضوعة الشفاعة .
وبتصوير آخر : إنَّ فاقدي مقتضيات الشفاعة من المشفوع لهم عاجزون
منطق فهم القرآن (الأسس المنهجية للتفسير والتأويل في ضوء آية الكرسي) — صفحة 223
مساهمون: السيد كمال الحيدري
ص٢٢٣