يفرض علينا القبول بفكرة وجود حالة من حالات التداخل في الوظائف دون أن تصل إلى رتبة الاتحاد المرفوضة عقلًا ونقلًا ؛ وتفرض حالة من التعدّد بعيدة عن الانفصال ، وهذا ما أوجزه لنا أمير المؤمنين علي عليه السلام في أكثر من كلمة ، منها قوله :
( مع كلّ شيء لا بمقارنة ، وغير كلّ شيء لا بمزايلة ) « 1 » ،
وقوله
: ( ليس في الأشياء فيقال هو فيها كائن ، ولم ينأ عنها فيقال هو منها بائن ) « 2 » ، وقوله : ( ليس في الأشياء بوالج ، ولا عنها بخارج ) « 3 »
، والولوج هو الدخول ، فنفاه عنه سبحانه ، ولكنه نفي للدخول المادّي المألوف لدينا ، وإلا فإنه سبحانه له صفة الدخول بمعنى آخر جاء في كلمات الإمام علي عليه السلام ، حيث يقول :
( داخل في الأشياء لا بالممازجة ، وخارج عنها لا بالمزايلة ) « 4 » ،
وهي كلمة شبيهة بكلمته الأُولى ، كما هو واضح .
من ثم نجد أنَّ القرآن قد وجَّه عنايته لنفي الخيارين أو الأُطروحتين الأوليين « 5 » لحساب الرأي الثالث القائل بالغيرية والوسائطية بالإذن ، فإنه في الوقت الذي أكَّد على استقلالية الربّ وشموليته ووحدته في قبال التحديد والتقييد وتقليص المهام ، قد أكَّد أيضاً على وسائطية الوسيط والغيرية في مختلف المجالات ، وأنَّ هذا الأمر الثابت للغير والوسيط يُعدّ حقيقة تكوينية ثابتة ، بيد أنها بالإذن والتخويل ، دون أن تكون على حساب الحقيقة الأُولى .
نعم ، إنَّ من الحقائق القرآنية أننا نجده يُؤكّد في بياناته النصّية على الاستقلال
هامش
( 1 ) نهج البلاغة : ج 1 ، ص 16 ، تحقيق وتعليق الشيخ محمد عبده .
( 2 ) المصدر السابق : ج 1 ، ص 13 . قال الشيخ محمد عبده في بيانه لهذه العبارة : ( لم ينأ عنها ، أي : لم ينفصل انفصال الجسم حتى يقال هو بائن ، أي : منفصل ) .
( 3 ) المصدر السابق : ج 2 ، ص 122 .
( 4 ) شرح الأسماء الحسنى للحكيم السبزواري ، مصدر سابق : ج 2 ، ص 96 .
( 5 ) أي : أُطروحة الوحدة الشخصية ، وأُطروحة تقسيم المساحات . .