تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منطق فهم القرآن (الأسس المنهجية للتفسير والتأويل في ضوء آية الكرسي) — صفحة 218

مساهمون:

ص٢١٨
ليس إتّفاقياً أو قصدياً بقدر ما هو قسر حقائقي تفرضه طبيعة وجودية الموجود ؛ وهذا القسر الحقائقي تارة يُفسَّر بإلغاء الآخر عن صفحة الوجود الحقيقي جملةً وتفصيلًا ، وهو ما يدَّعيه جملة من العُرفاء من أصحاب مقولة الوحدة الشخصية « 1 » ، وتارة يُفسَّر القسر برفع صفة الاستقلال عن الموجود
هامش
( 1 ) هنالك وحدة حقيقية وكثرة حقيقية ، وقد وقعت مشكلة عميقة في تصوير العلاقة القائمة بين هاتين الظاهرتين الحقيقيتين ( الوحدة والكثرة ) ، وبحسب تصوّرنا أنَّ الفلسفة المشائية والحكمة المتعالية والمدرسة العرفانية قد قبلوا جميعاً بهذين الأصلين الوحدة والكثرة وواقعيتهما ، غير أنَّ البعض قد استغرق في موضوعة الكثرة على حساب موضوعة الوحدة ، حتى جعل الوحدة مُغيَّبة وبحاجة إلى دليل ، كما هو حال الفلسفة المشائية ، فإننا لا نجد في كلماتهم محاولة لإثبات الكثرة ، ظنّاً منهم بأنه أمر مفروغ منه والقدر المُتيقَّن في صفحة الوجود ، ولذلك قد انصبّ اهتمامهم على إثبات الوحدة ، وفي تصوّرنا أنَّ مردّ ذلك لطبيعة العلوم الحصولية التي تتعامل مع المفاهيم التي هي مثار الكثرة ؛ وفي قبال ذلك نجد مدرسة العرفان العملي القائمة على أصل الشهود ونبذ الحصول قد استغرقوا في مقولة الوحدة ، تبعاً لقوله تعالى : وَلِلهِ المَشْرِقُ وَالمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ إِنَّ اللهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ البقرة : 115 ، حيث فسَّروا ذلك بانحصار الوجود به تعالى ، وبذلك قد غُيِّبت الكثرة ؛ وفي خطوة لاحقة عندما أراد العارف أن ينظر لشهوده - وهي مرحلة الانتقال من العرفان العملي إلى العرفان النظري ، أو قل : مرحلة الانتقال من الثبوت إلى الإثبات - تحوَّلت وحدة الشهود إلى وحدة الوجود ، فما شاهده منحصراً بالله تعالى عكسه بكلِّيته على صفحة الوجود بجميع شراشره وتفاصيله ، فكانت الوحدة هي الأصل الثابت عنده ، والكثرة محلّ إشكال وبحاجة إلى دليل ؛ وعليه فالمبنى المشائي بحكم طبيعة علمه الحصولي انطلق من الكثرة كأصل مفروغ منه وانتهى عند الوحدة ، فجاءت موضوعة الكثرة مُتقنة ، وموضوعة الوحدة مُهلهلة ، وأما العرفاء فتبعاً لطبيعة علمهم الشهودي انطلقوا من الوحدة كأصل ثابت وانتهوا عند الكثرة بنظرة تشكيكية ، محاولين تفسيرها بالكثرة المظهرية لا الكثرة الواقعية التي لها نحو من الاستقلال ، ومن هنا جاء السؤال حول مرداهم من كثرة المظاهر إذا لم تكن هي الكثرة المشائية ، وبعبارة أُخرى /