تحقيق ظاهرة الوساطة
الملاحظ في مجموعة غير قليلة من آيات القرآن الكريم تأكيدها على وجود الوسيط وفي أصعدة مختلفة ، كالوسيط في المُلك ، من قبيل : قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ المُلْكِ تُؤْتِي المُلْكَ مَن تَشَاء . . . ( آل عمران : 26 ) ، والوسيط في التدبير ، من قبيل : فَالمُدَبِّرَاتِ أَمْراً ( النازعات : 5 ) ، والوسيط في الشفاعة ، كما تقدَّم وفي أكثر من مورد ، وغير ذلك من أنواع الوساطة ، بيد أنَّ هذه الآيات الكريمة قسَّمت الوساطة إلى نوعين باعتبار الإذن الإلهي التكويني وعدمه ؛ فما كان مأذوناً بها فهي الوساطة المقبولة ، والتي تتوافق مع مقولة التوحيد ، وإن لم يكن مأذوناً بها فهي الوساطة المنفية والمرفوضة ، لأنها تلتقي مع مقولة الشرك .
وقد عرفت بأنَّ الوساطة الإذنية المرضية تقع في قبال الاستقلال ، فمن ادَّعى الوساطة لنبيّ أو وصيّ أو وليّ ، فضلًا عمّن سواهم ، فإنها تندرج تلقائياً مع الوساطة غير المأذون بها ، والتي تلتقي مع مقولة الشرك ، كما تقدّم .
ثمَّ إنَّ الوسيط ليس شيئاً مجانباً لصفحة الوجود الإمكاني ، فهو مفردة من مفرداته تُقال في الأفعال خاصَّة ، فهو بحقيقته الإمكانية وجود آخر غير وجود الله تعالى ، يُطلق عليه في الصنعة الكلامية عنوان الوجود بالغير ، ويقع إلى جانب سائر الوجودات الإمكانية الأُخرى المتّصفة بالحياة والعلم والقدرة والمِلك ، ضمن حدودها وقيودها المختصَّة بها ، وإن وقع نوع تمايز بينها في السعة والضيق ، ولكنها جميعاً محكومة بالمحدودية أو بالصفة التقييدية ، في قبال المطلق اللامتناهي سبحانه .
ولذا فمن الواضح بأنَّ تقييد الوسيط المرضي بالغيرية والإذنية يهدف إلى حلّ إشكالية فرضية الآخر ، من وجود وصفات وأفعال ، مع اللامتناهي في وجوده وصفاته واختياراته وقدراته وفاعليته المنحصرة به ، دون أن يترك فرصة للآخر ، وفقاً لإطلاقيته ومحدودية الآخر ؛ فالأمر - إذا صحَّ التعبير -