الوسيط والشفيع بكامل وجوده ، وهذا التقسيم على أساس محورية الوساطة الاعتبارية
والتكوينية أجدى نفعاً ، لأنّه يحفظ لنا ما يصحّ تصوّره من وقوع كلّ منهما في الدنيا والآخرة ، فنظام الوسائط التكويني لا يتمّ إلغاؤه في الآخرة ، كما أنَّ نظام السؤال والطلب يُتصوّر وقوعه في الدنيا وفي شؤونها أيضاً ، وإن اقترنت الوساطة الطلبية بالآخرة والوساطة التكوينية في الدنيا ، إلا أنَّ ذلك لا يمنع أو يتقاطع مع ما افترضناه .
وعلى أيّ حال ، فلو حدَّدنا متعلَّق هذه الوساطة ، وعرفنا أنها وساطة في طلب الخير أو دفع الشرّ ، سوف تكتمل صورة الشفاعة في الذهن ؛ فالشفاعة في اللغة - كما تقدّم - مأخوذة من الشفع في قبال الوتر ، فهي تعني في مادّتها المنتشرة في الهيئات المختلفة : إلحاق شيء بآخر ، أو ضمّ الشيء لمثله « 1 » ، لغرض مطلوب وتحصيل نتيجة مقصودة ، وأكثر ما تُستعمل الشفاعة في انضمام من هو أعلى مرتبة وحرمة إلى من هو أدنى ، فيكون المُنضمّ ناصراً للمنضمّ إليه وسائلًا عنه وساعياً في الطلب له ؛ وأما بهيئتها فإنها تعني : جعل نفوذ الشافع وقوّته أو تأثير كلامه ضميمة ودعامة للمشفوع له ، لكي يتقوَّى بها ويصل إلى النتيجة المطلوبة ؛ وبذلك تكون الشفاعة وساطة من الشافع في طلب خير مفقود لضمّه وإلحاقه بالمشفوع له .
ومن هنا يتّضح بأنَّ المراد من مثل : . . . فَهَل لَّنَا مِن شُفَعَاء فَيَشْفَعُواْ لَنَا . . . ( الأعراف : 53 ) ، ومن : فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ ( المدثر : 48 ) ، و : . . . مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ ( غافر : 18 ) ، و : وَلَمْ يَكُن لهُم مِّن شُرَكَائِهِمْ شُفَعَاء . . . ( الروم : 13 ) ، وغيرها من الآيات ذات الصلة ، هو نفي تأثير نفوذ الشافع ودعوته وإعانته وإخراج الغير من حدِّ الوترية .
هامش
( 1 ) راجع : مفردة : يشفع ، في المقطع الأول من التفسير المفرداتي . .