إِلَّا مِن بَعْدِ إِذْنِهِ . . . ( يونس : 3 ) ، ومن الواضح بأنَّ حمل هذه الشفاعة على
الأُخروية يُفقد النصّ العلاقة المنطقية بين صدره المرتبط بعالم خلق السماوات والأرض ، وهو مجال سابق على مجال الآخرة ، وذيله المرتبط بموضوعة الشفاعة ، وعليه فهو احتمال مرفوض لعدم انسجامه مع النصّ الظاهر بارتباط الشفاعة بعالم الخلق الدنيوي ، بل إنَّ مقتضى التحقيق في مضامين الآية يُشير إلى أنَّ الآية ليست بصدد إثبات الشفاعة في عالم الدنيا ، فذلك أمر مفروغ منه ، وإنما هي بصدد إثبات أنَّ الشفاعة ليست مُستقلّة عن الله تعالى .
وبدقّة أكبر نجد أنَّ الآية الكريمة بصدد التكييف بين استقلال الله تعالى وغناه المطلق في خلقه وتدبيره ، وبين ظاهرة الوسائط المرئية بالوجدان ، والمثبتة قرآنياً في آيات أُخر ، بأنَّ الوسيط وإن كان مُتحقِّقاً بيد أنه ليس مُستقلًا عنه تعالى ، وإنما بإذنه ، وهذه الحيثية المقيَّدة بالإذن لا بدَّ من حفظها ليبقى الاستقلال المطلق لله سبحانه محفوظاً ، علماً بأنَّ هذا الإذن لا يُصيِّر الوسيط وسيطاً شكلياً لا فاعلية له ، وإنما هو وسيط حقيقي مُحيَّث بحيثية الإذن التكويني ومُجرّد عن الاستقلال الثابت لله وحده .
من هنا نقرأ اقتراح الوسيط من قبل مُشركي قريش بأنه نوع من الاستقلال عن الله سبحانه وليس مقيَّداً بحيثية الإذن التكويني الإلهي ، ولذلك عُدّ هذا النوع من الوساطة بالشرك الصريح ؛ علماً بأنَّ المواصفة التي منحوها للوسيط المُقترح من قبلهم قاربت مواصفة الاستقلال الثابتة لله تعالى وحده « 1 » ؛ ممَّا عمَّق إشكالية الشرك ومحَّضها بعنوان الشرك في الربوبية « 2 » .
هامش
( 1 ) قد يُقال : إنَّ القرآن يُحدّثنا عن أنَّ مشركي قريش قد تعاطوا مع ربوبية آلهتهم على أساس الطولية لا العرضية مع الله تعالى ، وهذه الطولية تبدو لنا جليّة من خلال دعواهم التي يحكيها قوله تعالى : ( مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللهِ زُلْفَى ) ، فتنتفي مسحة الربوبية المُدّعاة لآلهتهم .
/ وجوابه : إنهم وإن لم يجعلوا من جعلوا من آلهتهم الربَّ الأول ، وإنما فرضوها في طول الله تعالى ، ولكنهم افترضوا أنها تقوم بعملية التقريب بالاستقلال ، وهذا معنى فرض ربوبيتها من جهة وطوليتها من جهة أُخرى . منه ( دام ظله ) .
( 2 ) قد يُقال بأنَّ هذا النمط من الشرك الصريح يُقارب في مُحصّلته إلى حدٍّ كبير ما يُصطلح عليه بالتفويض الذي تبنّته شريحة من المسلمين ، غير أنَّ ما تقدَّم أعمق شركاً ، حيث إنَّ شرك التفويض قائم في الفاعلية والإيجاد على مستوى بقاء الكون ، وأما شرك الوثنية فقائم في الربوبية الصريحة والتدبير لهذا العالم ، وبالتالي فالتفويض نمط من الشرك ، ولكن بمرتبة أدنى من شرك الوثنية ، الصريح قولًا والأعمق مضموناً ؛ فهل الأمر كذلك ؟ . وجوابه : نعم ، هو كذلك من حيث المحصّلة ، وإن لم يُطلق عنوان الشرك على التفويض صراحة . منه ( دام ظله ) . .