تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منطق فهم القرآن (الأسس المنهجية للتفسير والتأويل في ضوء آية الكرسي) — صفحة 211

مساهمون:

ص٢١١
الفقرة اللاحقة التي هي بصدد إثبات إحاطته الكاملة ، وأنه لا يعزب عنه شيء ، من جهة أُخرى .

إشكالية الوثنية العقدية

إنَّ الوثنية وإن باتت - اصطلاحاً - مُعبّرة عن فريق المشركين من أُناس لا ينتمون لديانة توحيدية ، إلا أنَّ المسألة أعقد من ذلك بكثير ، فتلك هي الوثنية الظاهرية ، وذلك لأنَّ موضوعة التوحيد ليست مقولة وحالة بسيطة ليُعرف مُقابلها بيسر ، وإنما للتوحيد مراتب وأقسام كثيرة جداً ؛ ونحن حين نطالع الآيات التي تُحدّثنا عن التزامات المشركين العقدية نجد أنهم يقبلون التوحيد في بعض مستوياته ، من قبيل التوحيد على مستوى الذات ومستوى الخالقية ، ومع أنَّ القرآن الكريم شديد جداً مع المشركين في تعاطيه مع موضوعة التوحيد ، إلا أنه يشهد لهم بأنهم يتعاطون مع بعض المستويات التوحيدية ، كما في قوله تعالى : . . . وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَهِ زُلْفَى . . . ( الزمر : 3 ) ، فهم يقرّون بالذات الإلهية ، ولكنهم يخطئون بمصداق المعبود ، أو أنهم يعبدون ما لم يُؤمروا به توهُّماً منهم أنه يُقرّبهم إلى الله تعالى ، ولعلّ ذلك كان منهم حيلة للدفاع عن أصنامهم من جهة ، وللتهرّب من الدين الحقّ من جهة أُخرى . وأما على مستوى خالقية الله تعالى لهم ، فقوله تعالى : وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ ( الزخرف : 87 ) ، بل هم يقرّون بخالقيته للعالم بأسره ، وهو قوله تعالى : وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللهُ . . . ( العنكبوت : 61 ) ، بل الأكثر من ذلك أننا نجدهم يقرّون بعدّة مستويات من رازقية الله تعالى لهم « 1 » ، من قبيل قوله
هامش
( 1 ) قد يُقال : كيف يتفق أن يكونوا مُوحِّدين على مستوى الذات والخالقية وبعض مستويات / / الرازقية مع تمرّدهم الواضح عن السجود لله تعالى ، كما هو صريح القرآن الكريم : وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا وَزَادَهُمْ نُفُوراً الفرقان : 60 ، خصوصاً وأنهم يقبلون بربوبية الله تعالى ولو بنحو الشرك ، فلابدَّ أن يكون المانع الحقيقي لهم من السجود شيئاً آخر ، وهذا ما يُفضي إلى وجود مُشكل آخر في عقائدهم ؟ وجوابه : من الواضح بأنَّ السجود من الأفعال العبادية المحضة ، وأنَّ هذه الآية وغيرها لم تدعهم للشركة في العبادة ، ليستجيبوا لذلك ، وإنما دعتهم للتوحيد في ذلك ، وهم بطبيعتهم المشركة لا يتقبَّلون فكرة التوحيد على مستوى العبادة ، فلو كانت الدعوة تشريكية لَما وقع اعتراض منهم ، كما أنَّ قوله : ( وَمَا الرَّحْمَنُ ) ، يدلّ على استكبارهم على الدعوة التوحيدية على مستوى العبادة ، ولو كانوا بصدد بيان جهلهم بهويّة الرحمن لقالوا : ومن الرحمن ؟ فكشف سؤالهم ب - : ما عن استكبار لا عن جهل ؛ ثم لا يُوجد دليل صريح على عدم سجودهم المطلق لله تعالى ، إنما الدليل على عدم توحيدهم في العبادة ؛ ولعلّ في قولهم المحكي قرآنياً : مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللهِ زُلْفَى ، دلالة على عدم إنكارهم لأصل العبادة والسجود لله تعالى ، ولكنهم اتخذوا طريقاً هم رسموه بأنفسهم لعبادته ، من خلال عبادتهم للأصنام ، ولأسباب نبَّهنا لبعضها . منه ( دام ظله ) . .