تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منطق فهم القرآن (الأسس المنهجية للتفسير والتأويل في ضوء آية الكرسي) — صفحة 206

مساهمون:

ص٢٠٦
الأولى ، أعني : قوله : تُؤْتِي المُلْكَ مَن تَشَاء وَتَنزِعُ المُلْكَ مِمَّن تَشَاء وَتُعِزُّ مَن تَشَاء وَتُذِلُّ مَن تَشَاء ، على ما سنوضحه من شؤون الملك الاعتباري ، وما ذكره في الآية الثانية من شؤون الملك الحقيقي ، فهو مالك الملك مطلقاً ) « 1 » . وقد يُستدلّ على هذه المالكية الاعتبارية بقوله تعالى : وَآتُوهُم مِّن مَّالِ اللهِ الَّذِي آتَاكُمْ ( النور : 33 ) ، حيث يُمكن استظهار مِلكه سبحانه الاعتباري بقرينة : آتَاكُمْ . ولكن الصحيح في المقام هو انحصار مالكيته بالأُمور التكوينية ، فلا يتّصف ملكه بالاعتبار مطلقاً ، وذلك لِما يأتي : أوّلًا : إنَّ قاعدة فاقد الشيء لا يُعطيه إنما تجري في الأُمور التكوينية لا في الاعتبارية ، بدليل أنَّ العقلاء يخلعون على البعض منهم مناصب اعتبارية لم يتلبَّسوا بها من قبل ، من قبيل تسميتهم للبعض منهم رئيساً أو ملكاً أو قائداً ، فإنَّ الحكومات المُنتخبة من قبل شعوبها تُمنح صفة الحاكم دون أن يكون الشعب حاكماً أو متلبِّساً بذلك ، وهذا واضح . ثانياً : إنَّ إتيان الله تعالى ملكاً حقيقياً أو اعتبارياً لخلقه لا يُصيِّر مالكيته التكوينية اعتبارية ، فمعنى الاعتبار في المنحة الإلهية هو إعطاء صفة التصرّف للمخلوق في بعض ما يملكه سبحانه ، دون أن يتنازل عن ملكه الحقيقي له ، فخروج شيء عن ملكه الحقيقي يعني بالضرورة صيرورته عدماً محضاً ، لأنَّ كلّ شيء يحتاج إلى بقاء وإبقاء من قبل علّته الحقيقية التامّة ، فكيف يُتصوَّر خروج شيء عن ملكه الحقيقي مع بقاء صفة الديمومة له ؟ ثالثاً : إنَّ الطباطبائي قد صرَّح في أكثر من موضع بانحصار مالكيته سبحانه بالأُمور الحقيقية التكوينية ، ابتداءً من الجزء الأوّل من ميزانه وانتهاءً
هامش
( 1 ) الميزان في تفسير القرآن : ج 3 ، ص 130 . .
منطق فهم القرآن (الأسس المنهجية للتفسير والتأويل في ضوء آية الكرسي) — صفحة 206 | السيد كمال الحيدري