تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منطق فهم القرآن (الأسس المنهجية للتفسير والتأويل في ضوء آية الكرسي) — صفحة 203

مساهمون:

ص٢٠٣
فإذا كان الأمر كذلك بين ممكنَين ، فكيف يكون الأمر بين المتناهي واللامتناهي ؟ إنَّ نظام الوسائط لا يُوجد لنا الفيض بقدر ما هو وسيلة لوصوله إلينا ، فوظيفة الوسيط تكمن في استلام الفيض بدرجات عالية - أو قل : استقبال الطاقة ، بحسب الفهم المعاصر - ثم تحويلها إلى درجات تناسب إمكانات القوابل ؛ وما تقدَّم في حديث جابر إشراقات واضحة للوسائطية من جهة ولتقنين الفيض من جهة أُخرى ، فذلك النور الذي يحمل كلّ الطاقة والكمالات الإمكانية قد جُعل المادّة الأُولى للإيجاد ، حيث يقول : ( خلقه الله ثمّ خلق منه كلّ خير ) ، فكان الصادر الأوّل بنفسه أهلًا للمباشرة من قبل الله تعالى ، وأما ما سواه فقد كانت له التبعية في الخلق وفقاً لمقتضى كماله ، وهذه الطولية والتبعية ليست في أصل الخلق ، وإنما في كلّ تفاصيل الحياة الكمالية ، على مستوى العلم وعلى مستوى المرجعية والطاعة ، وهذا ما يُفسِّر لنا سيادة النبي الأكرم صلى الله عليه وآله على سائر الأنبياء والمرسلين ، بل هو سيد عالم الإمكان بأسره ، وما سواه ليس إلا تابعاً له في كماله وراجعاً إليه في النشأة الكمالية ومُلزماً بالطاعة التامّة له ، فمن خرج عن رسوم طاعته صلى الله عليه وآله كان من الكافرين ، قال تعالى : قُلْ أَطِيعُواْ اللهَ وَالرَّسُولَ فإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّ اللّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ ( آل عمران : 32 ) ، وهذا النور المُحمدي هو ما يُطلق عليه في كلمات العرفاء بالحقيقة المُحمدية ، التي هي قطب الرحى ومركز القوى الإمكانية في الانطلاقة والعود ، ولولا المرآة المحمدية الأصيلة والمرايا الوريثة لها لاستحال على كلّ أحدٍ أن يقف على أدنى حقيقة من الحقائق المعرفية الحقَّة « 1 » .
هامش
( 1 ) قال سيدنا الأُستاذ في تصوير الحقيقة المحمدية : ( هذا الوجود النوريّ الأوّل هو الحقيقة التي كانت المظهر الأوّل للكمالات الإلهية ، ثمّ تفرّعت في الحياة الدُّنيا ، فظهرت بمظاهر عديدة كان جامعها هو شخص الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وأهل بيته عليهم السلام ، وقد عبّر الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله عن ذلك بعبائر عديدة منها قوله صلى الله عليه وآله أنا وعليّ من شجرة واحدة وسائر الناس من أشجار شتّى - كنز العمّال : ج 11 ، ص 608 ، ح 32943 - حيث يُشير بذلك إلى تلك الحقيقة الأُولى من وجودات عالم الإمكان ، وأيضاً قوله صلى الله عليه وآله : أنا وعليّ أبوا هذه الأُمّة - معاني الأخبار : ص 52 ، ح 3 - وقول الإمام جعفر الصادق عليه السلام : . . . وهو الذي خلق منه محمّداً وعليّاً ، فلم يزالا نورَين أوّلين ؛ إذ لا شيء كُوّن قبلهما - أُصول الكافي : ج 1 ، ص 441 ، ح 9 - ) . انظر : معرفة الله : ج 1 ، ص 273 . فيتّضح لنا أنّ الحقيقة المحمّدية ليست شخصاً بعينه وإنّما هي مقام عالٍ ، مصداقه الأتمّ هو الرسول محمّد بن عبد الله صلى الله عليه وآله ، ولذا سمّيت تلك الحقيقة باسمه الشريف ، فشخص الرسول صلى الله عليه وآله المادّي الخارجي هو مصداق أتمّ لتلك الحقيقة الأعلائية المقدّسة . انظر : شرح تمهيد القواعد ، للشيخ عبد الله جوادي الآملي : ص 426 . .