تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منطق فهم القرآن (الأسس المنهجية للتفسير والتأويل في ضوء آية الكرسي) — صفحة 201

مساهمون:

ص٢٠١
ولكن مع ذلك يبقى هنالك سؤال مُلحّ يدور حول السرّ في بناء هذا العالم الإمكاني طبقاً لصيغة الوسائط مع أنَّ قدرة الله سبحانه لا يعجزها شيء ، إذ كان بالإمكان الخاصّ أن يُباشر الفعل والمِلك والمُلك بنفسه ، لاسيَّما أنَّ الأفعال الممكنة مهما تفاوتت في كينونتها - كمّاً ونوعاً - فإنها تبقى متساوية في نسبة إيجادها إلى قدرة الله تعالى المُطلقة ، والمُتّكئة على علم وحياة غير متناهيتين ، كما هو واضح . والصحيح في المقام هو أنَّ الأفعال تتفاوت في تعقيدها وبساطتها ، في كبرها وصغرها ، ابتداءً من خلق أصغر مخلوق وانتهاء بالحشر الأكبر ومقدّماته ، والذي يُحدّثنا عنه القرآن الكريم بأنه يُشكِّل انقلاباً كونياً صارخاً ، كما في قوله تعالى : يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُواْ للهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ ( إبراهيم : 48 ) ، وقوله : يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاء كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ . . . ( الأنبياء : 104 ) ، وقوله : وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ المَنفُوشِ ( القارعة : 5 ) ، وغير ذلك مما ورد في سورتي التكوير والانفطار ؛ ثم يُحدّثنا عن حياة أخرى تحكمها قوانين جديدة ، كما ألمح لذلك في قوله تعالى : . . . وَنُنشِئَكُمْ فِي مَا لَا تَعْلَمُونَ ( الواقعة : 61 ) ؛ وصعوداً من الذرّة إلى الصادر الأوّل الحاوي لكلّ كمالات عالم الإمكان ، كما ورد في الخبر عن جابر بن عبد الله الأنصاري ، قال : ( قلت لرسول الله : أوّل شيء خلق الله ما هو ؟ فقال صلى الله عليه وآله : نور نبيّك يا جابر ، خلقه الله ثمّ خلق منه كلّ خير . . . ) « 1 » ، إلا أنَّ ذلك التفاوت الملحوظ إنما هو بالقياس إلينا ، تبعاً لتفاوت قدراتنا وإمكانياتنا واستعداداتنا ، والتي بتبعها تظهر في عالمنا هذه المفاهيم المتفاوتة ، فنقيس بها حتى ما لم يصدر منا ، في حين إنها بالنسبة لله تعالى - بحكم إطلاقيته وعدم تناهيه من جهة ، وتناهينا من
هامش
( 1 ) بحار الأنوار : ج 15 ، ص 24 ، ح 43 . .
منطق فهم القرآن (الأسس المنهجية للتفسير والتأويل في ضوء آية الكرسي) — صفحة 201 | السيد كمال الحيدري