حقيقة الملك التكويني لله تعالى
لا خلاف في كون خالقية الله تعالى تطال كلّ الموجودات الممكنة بلا استثناء ؛ وأنها لا تقف عند أصل وجود الممكن بكماله الأوّلي ، وإنما تمتدّ إلى كمالاته الثانوية من صفات وآثار ، وهو المُعبَّر عنه ب - : كان التامّة والناقصة ؛ وأنها لا تقف عند حدوث وجود الممكن ، وإنما تنبسط على وجوده بقاءً ؛ وكانت ملكيته تعالى موازية في الشمول لخالقيته ، فملكيته هي الأثر الطبيعي لخالقيته ، أو قل : هي خالقيته من حيثية إمكان التصرّف .
وينتج عن ذلك : أنه تعالى مالك الأشياء جميعاً ، فهو يُقوّمها بحيث يُمكنه التصرّف فيها بأن يبقى اختيارها بيده تعالى ، حدوثاً وبقاءً ، وفي أصل وجودها وفي كمالاتها الثانوية ؛ ومن هنا جاءت الآيات ذات الطابع العامّ في المِلك ، من قبيل فقرة البحث : لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ ، وعلى حدّ عمومية آيات الخلق ، كما في : وَلِلهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاللهُ عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ( آل عمران : 189 ) ، دون أن يُشاركه في ذلك أحد ، كما في : الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَمْ يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي المُلْكِ . . . ( الفرقان : 2 ) ، فاقتضى ملكه المطلق تسبيحه ، كما في : يُسَبِّحُ لِلهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ المَلِكِ الْقُدُّوسِ الْعَزِيزِ الحَكِيمِ ( الجمعة : 1 ) ؛ فيُفهم من ذلك كلّه أنَّ لام الملك في فقرة البحث تُفيد عموم المِلك والمُلك معاً .
علماً بأنَّ شمولية ملكه تعالى لكلّ شيء لا تُصادر الملكيات الجزئية التي يتوفَّر عليها بعض المخلوقات ، لأنَّ الشمول لا يمنع من فرضية وجود ملكيات متناهية ممنوحة من قبله تعالى وبإذنه ، بالموازنة ذاتها التي ألفتنا إليها بين اللامتناهي والمتناهي ؛ وبذلك نتوفَّر على مفهومين مهمّين ، هما :
الأوّل : فكرة الملك التكويني في المخلوق ، وأنها ليست فكرة طُوبائية تخلو من معنى مُحصِّل ، وليست نوعاً من الغلوّ والإفراط في القول ، شريطة دلالة