حين تبقى تلك الصفات مغايرة مفهوماً وحقيقةً لعدم التناهي ، إلا أنها لوازم لا تنفكّ عنه بحيث يضمّن في حقيقتها ؛ وبهذا يُمكن التسلسل المنطقي بين هذه الفقرة من آية الكرسي وسابقتها ( القيُّوم ) ، فإنَّ علاقة المِلك بالتقويم والإيجاد - كما اتّضح - علاقة النتيجة بالحدّ الأوسط ، ومن ثمّ جاء ترتّبه على القيُّومية ترتّباً منطقياً ؛ ثمَّ إنَّ هذا الملك إذا لُوحظ محيّثاً بحيثية خاصَّة - وهي الحكم والسلطة السياسية - يظهر لنا مفهوم جديد وهو المُلك - بالضمّ - ، ومن هنا ضبط الراغب في المفردات العلاقة بين المفهومين بالعامّ والخاصّ ، وإنّ المِلك بمثابة الجنس للمُلك .
قال الطباطبائي : ( الملك - بكسر الميم وفتحها - قيام شيء بشيء ، بحيث يتصرَّف فيه كيف شاء ، سواء كان قيام رقبته به كقيام رقبة المال بمالكه بحيث كان له أنواع التصرُّف فيه ، أو قيامه به باستيلائه عليه بالتصرّف بالأمر والنهي وأنواع الحكم ، كاستيلاء الملك على الناس من رعيّته وما في أيديهم ، ويطلق على القسم الثاني المُلك بضم الميم ، فالملك بكسر الميم أعمّ من الملك بضمّها ) « 1 » .
الملك بين التكوين والاعتبار
إنَّ نسبة الوجود للأمر الاعتباري نسبة مجازية ، يحتاج فرض وجوده إلى آلية معيّنة ، بخلاف نسبته للأمر الحقيقي التكويني فإنها نسبة حقيقية ، وعليه فالملك الاعتباري عبارة عن وجود يتمّ فرضه بآلية خاصّة يُضاف من خلالها إلى مصاديق الماهية التكوينية تجوّزاً ، بغية تنظيم الحالة الاجتماعية ، ومن الواضح بأنَّ اختلاف الوجود ينجرّ بصورة تلقائية إلى الاختلاف في الخصوصيات ، فالملك الاعتباري بحكم كونه وجوداً فرضياً غير حقيقي فإنه يقبل الانفكاك بالنقل والانتقال إلى مالك اعتباري جديد ، عبر الإرث أو البيع
هامش
( 1 ) الميزان في تفسير القرآن : ج 15 ، ص 174 . .