تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منطق فهم القرآن (الأسس المنهجية للتفسير والتأويل في ضوء آية الكرسي) — صفحة 190

مساهمون:

ص١٩٠
وأخيراً فإنَّ إطلاق قيُّوميته نافية للجهد المصحوب بالكلل والإرهاق ومطلق الشعور بالعيّ والتعب ، فتنفي عنه ما توهَّمه المشركون من اللغوب ، وأسَّسوا على توهّمهم إنكارهم للمعاد ؛ قال تعالى : أَفَعَيِينَا بِالخَلْقِ الْأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِّنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ ( ق : 15 ) ، وقال أيضاً : وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِن لُّغُوبٍ ( ق : 38 ) ، والعيّ واللغوب هو التعب والنصب والضعف الحاصل من القيام بعمل شاقّ ، حيث تصدَّت هاتان الآيتان لنفي التوهّم السابق ، الذي تولَّد عندهم نتيجة المقايسة بينهم وبين خالق السماوات والأرض ، فوجدوا أنفسهم يعيون بالعمل الشاقّ المحدود فكيف بخلق السماوات والأرض في ستّة أيام ؟ ! تنبيه : إنَّ بعض الصفات الإلهية مختصَّة بالله تعالى ، فلا تقبل التنزُّل مطلقاً ، من قبيل الألوهية والإطلاقية والواجبية ، وما شابه ذلك من الأسماء والصفات المُستأثرة ، وبعضها الآخر قابل للتنزّل ، ولكن بنحو التجلّي لا التجافي ، ومن ثمَّ ستبقى المسافة محفوظة بين الأصل الذاتي والفرع العرضي ، فيبقى الاستقلال محفوظاً للأصل ، والتجلّي بالإذن وبالغير للفرع ، ومثل هذا التنزُّل لا يُزاحم استقلال المُستقلّ ، ولا يلغي عدم تناهيه ، بل هو كمال حقيقي ثابت له سبحانه . والذي يظهر لنا قرآنياً أنَّ التقويم للغير من الحقائق القابلة للتنزّل ، ولكن مع حفظ مرتبة قيُّومية الآخر غيرية وبالإذن ، كما هو الحال بالنسبة للدين الإسلامي الذي اتّصف بذلك ، وهو قوله تعالى : فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَةَ اللَهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ ذَلِكَ الدِّينُ القَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ( الروم : 30 ) ، وقيُّومية الدين واضحة وجليّة على سائر الأديان الأُخرى ، ولكنها قيُّومية تنزّلية فرعية عن ذلك الأصل .
منطق فهم القرآن (الأسس المنهجية للتفسير والتأويل في ضوء آية الكرسي) — صفحة 190 | السيد كمال الحيدري